عندما تعرضت للتحرش (2)

لطالما كان الليل مخيفاً.
طوال عقد الثمانينات، كنت أنام ملء عيوني، على الرغم من القذائف المنهمرة من كل حدب وصوب، من كل الأعيرة المعروفة (120، 150، 240 م.م.) إلى أن سقطت راجمة صواريخ أطلقها الاحتلال السوري وأصابت بنايتنا حيث كنا في ملجأها، ليلتها ارتج المبنى والبنايات التي أصابتها تلك الصواريخ، وإثر ذلك اندلعت حرائق عدة في الحي الذي كنت أسكن فيه، وارتفعت أصوات الملتجئين بصلوات مكتومة أو مرتفعة راجية “الله” أن يوقف تلك الحرب.
لكنه عقد التسعينيات، لكن…
كنت أظن أن ما دونته صباح 13 نيسان عام 2014 سيكون الأخير حول وعن التحرش الذي تعرضت له في عقد التسعينيات، لكن كم أود اقتلاع كل تلك السنوات، ولأنني لا أستطيع، ولأنني لم أعد أعرف ما هو النوم، أو أكاد، جئت اليوم أكتب عن تعبٍ، عن تعبي، عن ما بقي من الذاكرة العميقة المخفية التي حاولت كنسها “تحت السجادة” التي عادت إلى الظهور خلال الصيف الماضي.
“كأن ترغب، بالفكر وحده، أن تتلاشى، أن تتخفف من الأحمال التي أصبحت، فجأة، ثقيلة. فوق طاقتك، فوق احتمالك”. (بسام حجار)
ليس مجرد تعب، يا بسام حجار!
لا أعرف متى بدأ كل ذلك (أي السنة) لا أعرف عدد المرات (مرة واحدة، 2، 3)، لكنني أذكر صوتي المكتوم تارةً، والمرتفع تارةً أخرى، كل ما أردته يومها (وكل مرة آنذاك) أن أتلاشى وأضمحل وأن أختفي، لم أشعر بسائله المنوي، ربما لأنني بترت بصراعي معه قذفه، ربما، وقد رافقني ذلك بعد ابتعادنا المكاني عن بعض، عبر كوابيس متتالية كانت تنتهي بقذف لاإرادي، تخلصت من الأخير بعد أول اتصال جنسي.
“فكرة النهار [أو الليل] إذا. أحسب أنها ما يفوق صخرة. لكنها مجرد فكرة. وتحملها في رأسك، في مكان ما من دماغك، وتنهض بها، وتسير بها، وتعمل بها، وتحب وتكره وتحزن وتفرح بها. ولا تشعر حتى بثقلٍ في أجفانك، ثم يأتي التعب. يأتي، ويقول أحدهم: إنه مجرد تعب. م.ج.ر.د.ت.ع.ب.”. (بسام حجار)
ليس مجرد تعب، يا بسام حجار!
ما الفرق بين الأذى في المكان العام، والأذى في المكان الخاص؟ الأذى العام، والأذى بين أربعة جدران؟ وهل المجال السياسي فقط ينطبق على المساحة العامة حين تحتك بالآخرين وكل ما يحملونه من موروثات ومكتسبات مشوهة حيث يظهر الإنسان وتقرأه بنظرته وكلماته وحركة يديه وانعكاس ما يفكر به على جسده؟
لا أحاول هنا أسطرة الخوف، ولا أحاول أيضا خلق دوامة لأغرق فيها من جديد، كل ما أفعله مؤخرا هو محاولة خلق بداية جديدة، ولو عبر كلمات، هي حاليا كل ما أملك.
عندما يقرع جابي الكهرباء الباب، فأفتحه وأقول له: مرحبا، هل سيعرف من نبرة صوتي مساراتي المتألمة؟ وأي مسار متألم أكثر من غيره؟ لا أعتقد بأن الطرق التي تسلكها الأفكار والعواطف في عقلنا منفصلة عن بعضها البعض، هي متشابكة كبيت العنكبوت، تظهر ذات يوم في عيونٍ حمر، وسواد الوجه، وبحة الصوت والأرق المزمن وفي كل شيء يتراءى لنا.
عندما أعبر بسيارتي الطرقات، كثيرا ما أرى قططا مدهوسة وميتة أو في طريقها إلى الموت. ولطالما كانت مرتعشة خائفة من مصيرها أو خائفة من السيارات الآتية إليها. وأحاول ما استطعت تجنبها، وبعد أن أتجاوزها أنظر إليها في المرآة حتى أحاول رؤية حياتها التي كانت، وحياتي المتبقية. وبعدها أقول في نفسي:
– لو كنت هرا، كنت سأطلب من السيارات أن تتجنبني وتعبر في طريقها، وأن تتركني أموت. أو أحاول الزحف إلى الرصيف لأراقب موتي السريع وموتهم البطيء.
لكنني صمدت.
خلال العامين الماضيين أحببت تنشق الهواء وأحببت الكثير من الناس، لكن ما بقي من تلك الذاكرة الملعونة (عقد التسعينيات) عاد إلى الظهور وها هو اليوم أمامكم وأمامي، أكتبه لأنني ما زلت أحب تنشق الهواء ولأنني أحبكم/ن.
لم أتعلم أن أكره، لم أتدرب على ذلك، على الرغم من توفر كافة الأسباب لذلك- أصلا مفهوم الكراهية نسبي أيضا- ولا أريد لهذا النص أن يستعمل ضده سلبا أو ايجابا، فأنا الذي أحمل كل هذا الثقل، وها أنا أحاول إنزاله عن كتفي. ولكن كل ما أريده، هو أن يشكل كلامي هنا، دعوة جديدة للانتفاض على هذه البشاعة التي تحيط بنا، على القيم النيوليبرالية التي تشربناها عن قصد أو عن غير قصد، على الأبوية والعنصرية والطائفية والقمع والاستغلال، أن ننتفض على النكران والنميمة والتحريض الرخيص والتافه، هذا كل ما أريده.
حسنا، سأشعل سيجارة.
ملاحظة: قرأ العديد من الأشخاص تدوينتي السابقة “عندما تعرضت إلى التحرش” ولكن وصل إليها عدد من القراء عن طريق محركات البحث من خلال كلمات مثل: “نيك- تحرش- تحرش بالمؤخرة…” إلى هؤلاء أقول: هذه التدوينة أيضا موجهة إليكم ليس حتى تقذفوا المزيد من السائل المنوي، إنما لتترك أثرا (ولو كانت نسبته 1 بالمئة) علكم تعرفون وتدركون فتتغيرون.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أنا, تحرش, ذكورية وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s