‫عندما تعرضت إلى التحرش‬

‫طوال الصيف الماضي، عندما كنت أخرج إلى شرفة منزلي لأدخن سيجارتي، كنت أبتعد خمسين سنتمتراً عن حافة الشرفة، إذ كنت أشعر أن ثمة من يدفعني من الخلف حتى أقع من الشرفة. وكانت قدماي ترتجفان، حتى يصبح الوقوف مستحيلاً‬. كنت ألتفت إلى الوراء حيث كنت أجهز قبضتي حتى أضرب من كنت أظن أنه يحاول رمي من الشرفة.

لم أجد أحداً خلفي.
فعرفت حينها أن جزءاً من عقلي يأمرني بذلك.
نعم انتظرت الموت، وحاولت ثلاث مرات الذهاب إليه.
نعم فكرت بكتابة وصيتي، فكرت بكتبي وبممتلكاتي القليلة، ووزعت، نظريا، على أصدقائي كتبي وأشعاري القليلة.
قراء هذه المدونة لم يعتادوا على نص مباشر، ومعهم كل الحق. إذ لطالما أخفيت مكنوناتي برموز وطلاسم غير مفهومة، لم يكن أمراً مقصوداً، إنما كان ذلك جزءاً مني كإنسان “رمزي” في هذا العصر.
ولكن لماذا البوح اليوم؟ وعلى هذه المدونة؟
فكرت منذ فترة قريبة بإقفال هذه المدونة وإغلاقها إلى الأبد، كأن شيئاً لم يكن. لكن ما نشرته ليس ملكي، هو ملك القراء، فقط.
أنا أعلم أن ما سأكتبه اليوم، ليس سهلاً، خاصة لناحية استجلابه لذكريات من الذاكرة الخفية أو المخفية عن قصد. ولأن الأمر لا يطاق، لا بد من إعادة فتح الجرح وإخراج كل شيء، دفعة واحدة.
وإذا كنت أريد إبعاد الموت، أظن، وآمل، أن تكون هذه الطريقة نافعة…

بدأت الحكاية منذ أكثر من ٢٠ عاماً.
– هل توافق بأن “أنيكك” بمئة دولار؟
قالها وتوقع موافقتي على ذلك. يومها كان للعملة قيمة أعلى من اليوم. وكان مبلغاً كبيراً بالنسبة لي، كتلميذ ما زال في المدرسة. إذ كنت آخذ كل يوم من أهلي ألف ليرة. كان رفضي صاعقاً بالنسبة إليه. إذ توقع أن يشتري رضاي ورضوخي.
لكن ذلك الرفض كان البداية.
فهو سيعتاد على إقحام عضوه المنتصب من تحت ثيابه بمؤخرتي. قاومته وقتها وبشدة. لكنه لم يتوقف عن ذلك، فبات ذلك عادة يومية، إلى درجة أنني تخيلت أن النهار يرتبط بذلك العضو المنتصب، ولا يرتبط، كما تعلمت في درس الجغرافيا، بشروق الشمس.

تعلمت في مدرسة غير مختلطة. وكانت مكان الجحيم ومركزه. لا أعرف أين أصبح كل هؤلاء التلاميذ، هل تزوجوا؟ هل أنجبوا أطفالاً؟ هل تحرشوا بأحد؟ لا أريد إصدار حكماً مسبقاً على الجميع، لأنني أعرف أن ثمة من هو مختلف ورافض لكل ما جرى (ويجري؟) هناك وفي غيرها من المدارس.
كان “التعميد” “لعبة” التلاميذ المفضلة. حيث تقوم مجموعة من التلامذة بمحاصرة زميل لهم، يمسك الأقوى بينهم به من الخلف فيحاصر بزنديه المفتولين صدره ويديه، ويرفعه إلى الأعلى، حيث تقوم مجموعتين من التلامذة بفصل رجليه عن بعضهما البعض ومن ثم حمله والركض بأقصى سرعة إلى أقرب زاوية عامود، وصدمه بها وإفلاته ليقع على ظهره أو رأسه أو وركه، لا يقوى على الوقوف بسبب الألم الآتي من خصيتيه. أغلب التلامذة حصل معهم ذلك، وأغلب العراكات الدموية حصلت بسبب ذلك، وكان المعمد يسمى “مخنثاً” أو “امرأةً” والذي قاومهم ونجح في ذلك يسمى “رجلاً”.

كان التحرش اعتيادياً، إقحام العضو بالمؤخرة على مرأى الجميع، ولو من تحت الثياب، يتكرر في كل لحظة، ولم يكن مستغرباً أن أرى مجموعة غير قليلة من التلاميذ تسند ظهرها بإحكام على جدار المدرسة.

مرة كنت أقف حارسا للمرمى خلال حصة الرياضة، وكان المهاجم الخصم لاعباً مراوغاً محتالاً، وقف المدافع بيني وبينه، فما كان من المهاجم الذكي إلا أن لاعب الطابة وهو يدير ظهره للمرمى، وبلمحة خاطفة سدد الكرة بحركة بهلوانية فدخلت من بين قدماي إلى داخل المرمى، لحظتها كان فمي مفتوحاً اندهاشاً، فعمد حكم المباراة (أستاذ الرياضة) إلى استبدالي بحارس آخر. وفي طريقي إلى الوقوف مع لاعبي الاحتياط، سمعته يقول لي: هكذا أشتهيك بفمك كما كان عند تسجيل الهدف وبرجليك المتباعدتين. سيقال عني “بيضة”، أو “مخنثاً” أو “امرأة” يُفعَل به وبها، وكل ما يرمز إلى الاقتحام والاغتصاب. فاعل ومفعول به، لا وجود للرضى، أيا تكن تلك العلاقة وجنس القائمين بها.

اليوم وبعد مرور أكثر من ٢٠ عاماً، أسألك: هل نظرت إلى عيناي وشاهدت الرفض؟ هل فهمت أن بريق عيناي الذي عبر عن تلك المقاومة، قد فقدته. وهل تعلم أنني بت أكره أنني كنت جميلاً ومغرياً؟

لا ألوم نفسي هنا، ولا أشجع إطلاقاً على ذلك. فأنا كنت أخطف أنفاسي عندما كنت أشاهد على نشرة الأخبار اعترافات متحرش بهم/ن ضد رجال الدين أو آبائهم أو المحيطين بهم. وكنت أحسدهم على تلك الشجاعة التي كسرت كل تلك الهرمية الأبوية وقانون الصمت. وكنت أستشرس في الدفاع عن هؤلاء الأطفال (الشباب اليوم) خاصة عندما يدعي معادو السامية بيننا أن الكهنة يتعرضون لهجمة “يهودية” ضد الدين المسيحي [كذا].

بما خص هذه الهرمية، أستحضر في ذهني حادثة أخرى حصلت معي عندما كنت في الثامنة من عمري، حيث كنت اعتدت على المشي عارياً في البيت، حين كنت أستحم وأترك الباب مفتوحاً، لا آبه بشيء أو بأحد، إلى أن تعاملوا مع ذلك بصفته عيباً، فصرت مادة للتصوير- وهنا أقول لماذا احتجتم إلى التصوير طالما تشاهدوني عارياً؟، سأجيب عنكم: إنها ثقافة التلصص وتربية ثقافة “العيب” عند الناس. لكن ذلك لم يقف عند هذا الحد، فذات مرة وضع أحد أقربائي يديه على كتفي وبهيبته ووقاره قال لي: “إذا بقيت عارياً، سيأكل عضوك الجرذ، وستموت”. وما زلت حتى اليوم عندما أجلس على كرسي الحمام، أفكر بجملته، بأن ثمة جرذ سيخرج من أنابيب الصرف الصحي، ويقضم أعضائي الجنسية، وأموت.

صدقاً لا أعرف لماذا يسمى التحرش تحرشاً، الملامسة التحرشية والكلام الفظ هو التحرش بعينه. أما إقحام العضو عنوة فهو اغتصاب. سواء كان من فوق الثياب أو من دونها. وأذكر جيداً أن الاعتداءات الحاصلة ضد الناشطات المصريات كانت تسمى، في البداية، “خجلاً” (؟) تحرشاً، لكن شهادات المناضلات البطلات اللواتي رفضن الصمت والتقارير الطبية كانت تشير إلى حصول اغتصابات جماعية بالأعضاء الجنسية أو بالعصي وما شابه، وقد تسبب ذلك بجروح بالغة الخطورة داخل الأعضاء الجنسية للنساء.

تكرر العرض مراراً، تدهورت قيمة المئة دولار، وما زال سعري نفسه، واستمر التحرش، إلى أن تخلصت من عبء تلك المدرسة، لكن العبء ما برح يغرقني أكثر فأكثر في بحر من الكآبة والسوداوية ولوم الذات.

خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة عندما كثرت المظاهرات الداعية إلى إقرار قانون لحماية النساء من العنف الأسري، كنت أمشي في آخر المظاهرة أو على أطرافها، أستغل تساقط المطر لأترك دموعي تتساقط للحظات. وعندما تكون السماء صافية، زرقاء، كنت أعض على السيجارة وأنفث زفيراً مسموعاً، كنت ألجأ إلى الصمت والتأمل. وكنت أقول في نفسي لو أخذت المذياع وقلت: لقد تعرضت للتحرش عندما كنت صغيراً، ما الذي سيتغير عندها؟

لم أجرؤ.

واليوم أفكر، لو ذهبت إلى المدرسة عينها وقلت ذلك، ما الذي سيتغير حينها؟ وما هي ردة فعل التلامذة مني، أنا الذي تجاوزت العقد الثالث من عمري؟، أو إذا خرجت إلى الشرفة وقلت، في أحد الشعانين، أمام الجماهير المجتمعة بالقرب من الكنيسة، لقد تعرضت للتحرش عندما كنت صغيراً ما الذي سيتغير؟

عندما أصادف رجالاً في العقد الخامس أو الرابع من العمر يحدثونني عن “أمجادهم” في الحرب الأهلية، عن القتل والمواجهة والاقتحام والاغتصاب وأكل لحوم البشر. أقول مع من نعيش؟ كيف ربوا أولادهم؟ هل التسامح هو الحل؟ هل مسامحة المغتصب والقاتل هي الحل؟ هل القتل هو الحل؟ هل الانتقام هو الحل؟ لا أملك جواباً جاهزاً عن كل هذه الأسئلة، ولكنني ألوم نفسي لأنني تأخرت في هذا البوح، في هذه الصرخة المكتوبة. ألوم نفسي وأعلم أنني، في الوقت عينه، قد دفعت ثمناً باهظاً لقاء ذلك. فكل تلك السنوات لن تعوض، لأن العقارب لا تعود إلى الوراء. والحياة تعاش مرة واحدة، بحسب اعتقادي. لذلك كان الموت خياري الأسهل والأقرب، كان الخلاص المأمول. لكنني لن أفعل ذلك، لأنني أعلم أن في ذلك انتصاراً له، لذلك المتحرش، وأن ذلك سيسبب حزناً كبيراً للمحيطين بي خاصة أولئك الذين واللواتي أتوقع دعمهم/ن لتجاوز ذلك.

خلال المظاهرة الأخيرة، في الثامن من شهر آذار، كان الطقس حاراً، وكانت الرياح عاصفة، مشيت ورفيقي في نهاية المظاهرة ودخنت كثيراً، وتحدثت كثيراً بطريقة غير معتادة، وسخرت كثيراً من صديق آخر. ومضيت.

عام ٢٠١٢، طلب مني المشاركة في ملف “نحو مفاهيم مغايرة للذكورة”، الذي أصدرته جمعية كفى عنف واستغلال، لم أرد على الرسالة الالكترونية ولم أعتذر، لكنني فكرت بكتابة نصاً شبيهاً بهذا النص، وبسبب جبني لم أفعل ذلك، كما أنني لم أتعمد الإساءة إلى من طلب مني المشاركة في الملف. لكن التطورات والتراكمات التي مريت بها خلال العامين الماضيين استلزمت إماطة اللثام عن ذلك الماضي، حتى لا يقتلني الصمت والرضوخ.

لن أرفق هذا النص برسمة وفيديو عن اليوتيوب، كما اعتدتم أعزائي القراء، حيث يمكنكم تخيل الرسم الذي تريدونه أو الموسيقى التي ترغبون بسماعها. ليس مصدافة أن أختار اسماً لهذه المدونة “يوتوبيا واقعية”، لأن حياتي هي كذلك، هي التعثر والحلم والمثابرة والعناد والمقاومة والسخرية والصبر والحب والغضب والأمل واليأس والعودة من جديد. سأستمر، سأحاول على الأقل، لأن الأمر بات تحدياً ذاتياً، سأستمر، في هذه المدونة وفي مواقع أخرى، حتى يتوقف طفل عن القول في نهاية العام الدراسي: “ما زال أهلي يبحثون عن كتاب في المكتبات حتى يشترونه”، لأنهم لا يملكون مالاً لشرائه.

‪و‬.

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s