أكاذيب النافذة

العائدون إلى قدرهم | وسام الجزائري | فنون الثورة السورية

العائدون إلى قدرهم | وسام الجزائري | فنون الثورة السورية

النص لـبسّام حجّار

أعيتْني حيلةُ يدي، حين تتظاهر بالخفّةِ، وترسمُ ظلالاً على الورق، هي ظلالُ حيلتها، وليس ما أريدُ أنْ أكتب. ما أريدُ أن أقول.

أعيتني الرّغبةُ في أن أكون هنا، بين جمعٍ من الناسِ أو قلّةٍ منهم، منصرفاً عنهم، ومنصرفاً إليهم، وفي كِلتا الحالين، أبادلهم بسمةَ مَنْ يرى الأشياءَ زائلةً، وهو معها، ومَنْ يرى أنَّ الإقامةَ، ها هنا، لن تطول.

وأعيتْني هذه الأوعيةُ الجوفاءُ التي تَزعم أنّها الأوقات بين الأمسِ واليوم، وهذه الأصداءُ التي تزعم أنها أطيافُ الضحكاتِ التي تلاشَتْ، والكلام الذي تردّده خافتاً، ولا أسمعُ منه إلا الهمسَ الذي قاد سِوايَ إلى الجُنون.

أعيتني الغرفُ بوحشتِها الباذخةِ. والجدرانُ إذ تُثابر على صمتِ الجدران. والهواءُ الذي يُقلِّدُ هواءً سابقاً. والنوافذُ الكاذبةُ التي أوهمتْني أنَّ ما أراهُ هو الخارجُ ومشهدُه، وليسَ الغَبَش الذي في عَينَيّ.

أعيتْني صُحبةُ الأشياءِ، مِنْ حَولي، أصنعُ لها سِيَراً وأعماراً، وأخاطبُها بنثرِ عَيائي الذي جعلتُ منه الأشياءَ ما شُفيتُ مِنَ العَياءِ فخاطبتْني الأشياءُ بنَثرِ مواتِها الذي جعلتْني منه ما شُفيتُ مِنَ الموات.

قُلْتُ، لا أمكثُ في هذا المكان الذي أرى منه الشجرةَ المستوحدةَ، ربّما كانت الشجرة من أكاذيب النافذة. لا أمكثُ في هذا المكان، ربّما كان الطيفُ الذي لاحَ لي على الناصيةِ من أكاذيبِ النافذةِ أيضاً، وربّما كانت عيناي.

قلْتُ ربّما أفقدني التحديقُ في البعيدِ باصرةً لم أحسن تقليبها بين أخيلة الوافدين من غبطةِ النهار إلى غبطة النهار. وصرَفْتُ العامَ، تلوَ العامِ، أرى الأشياءَ التي ما عادَتْ هنا، لكنّها مكَثَتْ في عينيّ. ولا تبصِرُ العينان الأشياءَ التي مكَثَتْ فيها، بَلْ تجعلُها كلَّ ما في استطاعةِ العينين أن تبصرا. حتّى إذا بكَتْ سالَتِ الأشياءُ رقراقاً في المسيلِ.

إذا سالت الأشياءُ من العينِ زالتْ وإن كان زوالُها التّحريق. ولكنْ…

أعياني الغَبَشُ الذي أرى فيه وجهاً على الدّوام. ولا يسيلُ، شأن الأشياءِ الأُخر. وجْهٌ لا تَمسّه الأنمُل ولا تحتوي دفأه اليدان. أبصرُه حين أبصرُ وأبصرهُ حين لا أُبْصِر. غبشٌ كمِثلِ الضّبابِ قبل التلاشي لا يسيل دمعاً، ولا يقيمُ في المشهدِ المترامي لخِدعةِ النافذةِ. وجهٌ ليس صورة وجه. ليس ذكراه، لأنّ الذكرى وهمُ ما يزول. وجهٌ لا يزول. لا تُخالطُ سيماءَه تصاريفَ نسيانٍ يمكثُ غَبَشاً في العينِ التي لا تبصرُ ويمكُثُ تحريقاً في الراحتين.

أعياني التّحديقُ في البعيدِ ولا أرى وجهاً يشبهُ ما يجتمع في عينيّ من الرقراقِ الذي لا يسيل، أو يُشبه الحرقةَ التي جَعَلتْ يديّ حين تتظاهران بخفّة راحتيهما، لا الكتابة. ليس ما أريدُ أن أكتب. وليس ما أريد أن أقول. بل الوجه الذي أبصرُه حين أبصر، وأبصرُه حين لا أبصر.

وأعياني اليقينُ أنّ الأشياءَ زائلةٌ مثل عينيّ. فيتراءى لي الوجهُ غبشاً كَوَسَنٍ ناعم. وأغمضُ عينيَّ ريثما يصبحُ غِلالةً شفيفةً فوقهما، تغطّيهما، تكسوهما، وأغمضُ عينيَّ، سيّان عندي، إلى الأبد. فأعلمُ أنني معه، لن أكون وحيداً هناك.

ربّما كُنتُ كالعميان.

لا أرى العتمةَ، بل أرى لوناً وحيداً.

ليس السواد، بل طيفُه المنوّر من دون إضاءة. وجهٌ لها يدُلُّني. وتدُلُّني يداي.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قصيدة, شعر وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s