“لم ينتظر أحداً أمام النهر”

 ودعني طيرٌ وقال ... إلى بلادي أمضي...| يارا النجم

ودعني طيرٌ وقال … إلى بلادي أمضي…| يارا النجم

ما هي الكلمات التي يمكن لها أن تحكي أو تجيب عن “كيف الوضع عندك؟”، بالطبع أن يأتيك هذا السؤال، عليك أن تحضر جوابا مناسبا. مناسب؟ هل ثمة جواب غير مناسب؟، أو هل ثمة جواب متخيل فيكون بذلك مناسباً؟ لا أعرف. كل ما لدي قلته، ردا على هذا السؤال وعلى الأسئلة المشابهة، وهي أسئلة كثيرة هذه الأيام، كثيرة كعدد الثواني التي تمر، ولا تترك أثرا في الذاكرة، أو المخفية قصدا في الذاكرة، المنسية هي الأخرى.

مساء البارحة، وبمعرض الإجابة عن هذه الأسئلة، اضطررت إلى رؤية عشرات الصور لمجزرة الغوطة في ريف دمشق، ولكن عندما سُئِلتُ “كيف الوضع عندك؟”، لم أجب الجميع أنني لم أعد آكل البوظا مثلا، ولم أعد أضع مكعبات الثلج في الكوب، نعم البوظا ومكعبات الثلج هي من الرفاهية التي يمكن التخلي عنها، ولكن ما علاقة الثلج بكل هذا الحديث؟ أعلم أن العديد منكم يعلم ما هي العلاقة بينها وبين مجزرة الغوطة، لأن الثلج، أو مكعبات الثلج، كانت الرفاهية الأخيرة لشهداء الغوطة، وكانت وداعهم الأخير في هذا الصيف الحار. كانت وداعهم الأخير.

نعم لقد أصبحنا في وقت، تصبح فيه مجزرة الغوطة هي المعيار، أما بقية المجازر فهي صغيرة وبعيدة، ولا اهتمام بها. مئة شهيد، أو أقل، أو أقل، ليسوا مجزرة، أصبحوا فردا، وأصبح ألف شهيد يساوي مئة شهيد وفق هذه المعادلة…

ولكن، وماذا تنفع الأرقام؟ إذا كانت كذلك، وهي لن تكون كذلك، بالطبع، نعم لا بد من بعض الكلمات التي ترفع المعنويات، والتي ستحتاج بدورها إلى معنويات أخرى لرفع تلك المعنويات.
واليوم، ماذا يمكن القول أمام كل ذلك؟، أو ما الذي يمكن فعله أكثر؟ والسؤالان الأخيران هما من الأسئلة المتكررة على شاكلة “كيف الوضع عندك؟”، ربما تكون الإجابة عن السؤالين الأولين تشكل جزءا من الرد على السؤال الثالث، أو ما يسمى من جديد رفع معنويات…

ولكن، مرة جديدة، هل تحمل كلماتي وداعا مستترا؟، أعتقد أن كل كلمة تحمل وداعها بذاتها، وتحمل موتها بانتهائها، حتى لو تكررت الكلمة عينها آلاف المرات، لا يمكن للكلمة إلا أن تختار موتها الموعود، موتها بذاتها، ليس أكثر.

ولكن، مرة أخرى جديدة، يبقى السؤال الدرويشي الأساسي “هل نسينا شيئا وراءنا؟”، لن أجيب عن هذا السؤال، لأنني نسيت الكثير، وتذكرت ما لا ينبغي تذكره، أو ينبغي تذكره، كل ما في الأمر أن النسيان لم يعد مجديا بعد اليوم.

طوبى للذين لم ينتظروا أحداً أمام النهر، إنما كانوا هم النهر.

“ودعني طيرٌ وقال… إلى بلادي أمضي…”

* “لم ينتظر أحداً أمام النهر” من قصيدة “لم ينتظر أحدا” لمحمود درويش

Advertisements
هذا المنشور نشر في أنا, الثورة, سوريا وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s