كلمات من المصنع

ما يلي جزء من قصة غير خيالية، جرى تغيير بعض الأمور احتراما لخصوصية الأشخاص التي تتكلم عنهم.
‫كيف سيطفئ المنبه بعد اليوم؟ حسنا، المنبه تغير لم يعد يرن كما في السابق، فالمنبه أصبح أكثر تنبيها ونباهة، يمكن الاستماع إلى نغمات متعددة يصدرها الهاتف الخليوي، ويمكن تقسيط فترة الاستيقاظ ومدها عبر الزمن الصباحي الباهت، كما يمكن وضع أغنية أو نغمة مفضلة سرعان ما تتحول إلى أسوأ نغمة.
‫كل شيء يبدأ بالاعتياد، خاصة إذا كان الاستيقاظ البشري يسبق المنبه. غسيل الوجه، والأسنان إذا لزم الأمر. ارتداء الملابس. تناول الفطور. النظر إلى الساعة، نبض في القلب، ونزول الدرج في الصباح الباكر.
‫سيقود السيارة يوميا، مسافة ضرورية ليجد صورته في مكان اعتاد على دخوله.
‫كل شيء بدأ عندما بلغ منتصف العقد الثالث من حياته، أو حتى قبل، ويفكر، ماذا فعل كل هذه السنين من وجوده البشري على هذه الأرض، على الأرجح أنه سأل كل الأسئلة الوجودية، ولم يدّعِ يوما أنه يعرف كل شيء، ولن يدّعي على الأرجح، لم يكن يوما خطيبا مفوها، ولطالما رسب في امتحان القراءة عندما كان في المدرسة.
‫المدرسة؟ نسي كل ما تعلمه فيها، وتناسى، تناسى هشاشته، تعثره، رسوبه، كونه لم يكن الأفضل، ولا يحسن التكلم باللغة الفرنسية أو الإنكليزية. لكنه بحث عن المستحيل في المستحيل. ولأنه كذلك، أدرك أن فشلا آخر يوازي نجاحا غير مضمون.
‫هل يمكن قياس الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بكلمة؟ بالطبع لا يملك جوابا عن الأسئلة الكبرى، ويتجنب كل المطولات، إذ سرعان ما سيستغرق في نوم أو هروب عميق، أو مشي سريع.
‫يصل إلى المصنع في الصباح الباكر، يوقع على دفتر الحضور، ويمضي إلى آلاته، آلات المؤسسة التي يعمل فيها بالطبع، يحدق في الجدران، ويقول ماذا بعد الجدار؟ سؤاله لم يكن فلسفيا فهو يكره الفلاسفة والتفلسف. لكنه سرعان ما لاحظ تعددا في الغرف كل منها بحسب مرتبة (أو أجر) من يعمل داخلها، أما الباحة السفلى والأدنى في المبنى فاحتوت على العشرات من زملائه.
‫في يوم من أيام المدرسة الشتائية الطويلة تعثر وكسر كاحله، بسبب المطر المتسرب إلى الملعب الداخلي، هشاشة بنيته تغلبت على وزنه الخفيف، يومها لم يذرف دمعة واحدة، تآكله الوجع ولم يقل كلمة واحدة، الناظرة التي اهتمت به بكت عنه، وهو بذلك اكتسب دعما احتاجه لاحقا لردع الاجتياج الذكوري الجارف لكل ضعف أو هشاشة خاصة وأن المدرسة كانت للذكور فقط.
‫الملائكة أيضا تموت.
‫ينحني على آلته ويعمل ما استطاعت أن تقدم له من آخر ابتكارات الميكانيكية، لكن سرعة الآلة لم تلب يوما الطلبات الملحة للإدارة أو لوسطائها، وما أكثرهم!
‫لطالما حمل هاتفه الخليوي والتقط صورا للحمام المتكاثر في محيط المصنع، وكانت الطيور الأخرى تحدق مستغربة ذلك الفضولي داخل المصنع العدائي. مع الوقت، اعتاد جمع زهور الياسمين من شجيرة استطاعت الصمود بين غابات الاسمنت، احتل الياسمين والنخيل المتبقي حيزا واسعا من المشهد المتخيل والمزَيِن للمشهد البارد اليومي.
‫استفاقت طفولته على تشوه خلقي في يده، فاعتاد على مشهد الطبيب والممرضة، اعتاد على اللون الأبيض، تأقلم باكرا مع الإبر ووخزها، الأدوية ومذاقاتها المختلفة. لاحقا، أصيب بالربو، والآن بمرض السكري.
‫لستَ من هنا. جملة لطالما سمعها داخل المصنع. لستَ من هنا تعني بحسب قائلها أنه ليس من مواطني هذا البلد، ومن اعتاد قول هذه العبارة لا يحتمل كل هذا العبء الذي يفرضه الجو الضاغط والمشحون. إنها عنصرية متجذرة، يقول.
‫للغيمة شكل متغير.
يعود في المساء، أقفلت السماء على نفسها، ظلام دامس، عواء كلاب ونوم عميق.

ذات يوم تعطل هاتفه الخليوي. فلبس ثيابا سوداء حدادا عليه، وبات يحدّق بالهيكل البلاستيكي للهاتف الملعون، لم يذرف دمعة واحدة لكنه احتفظ به ليستمتع بصوت رنين منبهه.

وبدأت الضغوط الإضافية للعمل: زيادة الأجور، مضايقات جماعية بحق العمال وتمييز فيما بينهم. بات يرى ذاته في دموع الآخرين وشقائهم، منهم من ترك قريته أو بلده مرغما واستقر في بيروت راضيا بالقليل، راضيا بعدد الصفعات التي يتلاقاها في طريقه إلى العمل، راضيا بموت بطيء.

اختار أن ينضم إلى نقابته، فهو أسرّ لنفسه أن بطاقة العضوية ستحميه من أي طرد محتمل. ذات يوم، توجه إلى مركز النقابة ليملأ استمارة العضوية على طاولة حلَّ الغبار ضيفا دائما عليها. يومها، طمأنه النقيب قائلا: تمسك بعملك ولا تتركه! هه! هذه هي البيارق الحمراء؟

“لولا عملكم عندي لكنتم الآن تحصدون القمح في سوريا”، قال مدير المصنع ومضى كعادته يوزع جمله الساخرة يمنة ويسارا. بعد ساعة، عاد زميله من حمص، المدينة الصامدة ولكن المدمرة، وأول ما قاله: “لقد نجوْتُ من الموت، لكن أهلي بقوا هناك لأنني لم أستطع إخراجهم من الحي”.

عام 2004 عندما وقع التسونامي في المحيط الهندي ومات نتيجته الآلاف من الناس، وصلت موجة منه إلى داخل المصنع، حيث كان عامل التنظيفات من الجنسية الهندية يشرد لعدة دقائق وهو ينظر إلى غيوم كانون الثاني المتسارعة، لم تتوقف دموعه، تقدم نحوه واقتربا معا من الشباك المتسخ، وقال له: في هذه اللحظة، ومن هذا المكان، الغيوم تنظر إلى من فقدْتَهم.

أخيرا تحرك السير، إنها زحمة لا تطاق!

“الآلات لا تتحرك، لم تتعطل، لكنها لا تتحرك”، واستفاق من نوم عميق في فرصة الغداء.

(يُتبَع)

Advertisements
هذا المنشور نشر في قمع, نضال مفيد, أنا, العمل, عنصرية وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s