عن سوريا أيضا وأيضا

هو فيلم ليس أكثر.

فيلم يمكن مشاهدته ذات سبت، وتنام قرير العينين.

تنام قرير العينين؟

حسنا إنه مساء السبت 3 آذار 2012، المكان: بيروت، المناسبة: عرض فيلم الأحد الدامي.

زحمة مشاهدين. مشاهدون لرؤية: الدم على الشاشة، أصوات الصراخ، معنى المجزرة، صورة الموتى، بالطبع هناك مكان لبعض الدموع المحايدة التي تغلبت على الجفون الجافة. كل ذلك مع رائحة طفيفة للبوشار.

حسنا، انتهى الفيلم، إلى الحمام در. كنت أتوقع خروج مظاهرة، وأنا في الحمام، استنكارا لسقوط هذا العدد من القتلى المفترضين في الفيلم- الذين سقطوا فعليا في إيرلندا- وكنت أعتقد أنني سأنضم إلى المظاهرة الافتراضية وأجد نفسي متأخرا عنها وأحاول اللحاق بها. لكنني خرجت إلى الباحة الخارجية لقاعة السينما وفضّلت المشاركة في تظاهرة التدخين. بالمناسبة، يعود “الفضل” في تعلمي التدخين إلى شخصين: الأول جان بيار ليو في فيلم مذكر مؤنث لجان لوك غودار، والثاني إلى بول شاوول من خلال كتابه دفتر سيجارة.

حسنا، دخنت، وقلت: هذا الفيلم صادم جدا.

الجواب: لربما يترك أثرا في نفس البعض المستهتر بالدماء التي تحيط بهم.

أجبت: لقد تأخروا كثيرا على التأثر، كل هذه الدماء الحقيقية، الحقيقية، فما نفع مجرد فيلم ذات مساء، من ذات سبت، من ذات آذار. آه آذار ما أجملك!!

“عندما تشعل سيجارة تحسّ أن شيئا منك يرحل بهدوء مع دخانها.

وينساه”. (بول شاوول)

– سؤال: هل تشعر بالكآبة؟

– جواب (مكابر): نعم، نوعا ما.

ومضَتْ ومضيْتُ كلّ إلى مكانه المعتاد.

“يُحسُّ أحيانا وفي لحظات قاسية كأنه يدخن سجائره دمعة دمعة” (بول شاوول)

وتكون حمص.

ماذا يمكن القول عن حمص؟ هل تكفي العبارة للتعبير عن المشاعر؟ وهل التضامن يكفي؟

ماذا يمكن الفعل- بعد-؟ هل قصّرت؟ إذا كانت الثورة الاسبانية هي المعيار، هل سأكون فعلا متوطئا؟ لأن حمص هنا. ولكن اسبانيا (عام 1936) لم تكن هنا.

حمص هنا.

“هو اللي زيك لو كان في زيك” (وردة الجزائرية)

ماذا تفعل الأحرف المطمئنة عندما تكتب، أتريد أن تردد الكلام نفسه ولكن بصيغ مختلفة؟ الدم يصبغ كل شيء، حتى العيون. والموت أعمى. مجزرة؟ نعم هل حفظْتُ أسماءهم؟ وتركت لكل منهم صورة على حائط؟، أصلا هل تتسع الجدران لكم؟

الجدار أبيض، والورقة أيضا. الورقة أي ورقة؟ يا غبي، أنت تكتب على حاسوب، تحتمي به، هذا كل ما في الأمر.

حسنا، مرت أسابيع كثيرة ولم أكتب ما أفكر به، ربما لأنه ألم المعدة. ربما لأن دماغ الإنسان يكمن في معدته. حمص هنا، تطل برأسها المشظى ستعرف معنى آخر للموت المفكك.

– هل هكذا يكون الموت؟

– نعم.

“هل نرجم الجبال بالحجارة الحانقة أم نبالغ في تمجيد الغبار حتى نرغم الجبال على الخجل من قممها؟” (زكريا تامر)

الخجل؟ “فيجب أن يعالجها بعطف الأب” (أنسي الحاج)، “لــــــــــــــــن” “يخجل”.

استيقظي يا سوريا“، وهل هي نائمة؟

هي تموت وتقوم من التراب إلى العلى وتكسر الموت بالحياة والفرح. (عفوا هل ثمة تفاؤل ثوري هنا؟)

فليكن.

كل تلك الكتب لتحريك “مستنقع الشرق” والنواح على “الجمود” في هذا “الشرق” لم تعلمكم كتبكم أيها الكتاب!!، وهم (وأنا) صدقناكم، وصار العراة في الشوارع، هل بتّم تخافون الشارع عندما قال (ويقول) كلمته؟ عودوا أيها الكتبة إلى مكاتبكم وابقوا فيها، لأن دورالفكر العاجز قد امتلأت.

“أنا إنسان وماني حيوان”: هذه العبارة ترمي كل كتبكم في سلة المهملات، عودوا إلى مكاتبكم!

تريدون حقن الدماء؟ ابحثوا عن مصدر الرصاص.

لم تشبعوا من الدماء التي ملأت أعيننا كل السنين الماضية؟ ومن الدمار؟

“لــــــــــــــــــــــــم”

“السيجارة ربما كانت وجعا آخر” (بول شاوول)

أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمنا، ليأت ملكوتنا، لتكن مشيئتنا على الأرض، وسنغفر (من وقت إلى آخر) ذنوبك، سننتزع رغيفنا، لأن لنا الملك والقوة والمجد.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أنا, الثورة, سوريا وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s