الخروج من الرأسمالية يعني الخروج من العصر السياحي

بمعرض الحمى السائدة حول التصويت لمغارة جعيتا لتصير أعجوبة لبنان للنجوم والمجرات، أقدم هذا النص المترجم للكاتب الفرنسي رودولف كريستين علّه يكون أداة لتفكير جديد حول السياحة وعلاقتها بالنظام الرأسمالي.

توضيح الإندهاش بالسياحة يتطلب عودة تاريخية. فبصعود الرأسمالية، حيث دخلت البروليتاريا في المصانع منذ القرن الثامن عشر، كانت السياحة محصورة بالأرستقراطية. والأخيرة كانت تُعِدّ شبيبتها بإرسالهم “للقيام بنزهة” من أجل التمتع بصحة جيدة. جزء من البرجوازية تعلّق بالرحلات وتمضية الأوقات في الطبيعة. في هذا الوقت كان العمال يعملون. انتشار الصناعة أدى إلى انتشار العمل المعمم، ساعات العمل كانت تعد ١٢، ١٥، ١٨ ساعة.

في فرنسا، يجب انتظار حلول عام ١٩٣٦ حين فازت الجبهة الشعبية في الانتخابات النيابية، حيث أقر أول قانون يكفل عطلة مدفوعة للعمال. حيث دفع للعمال لكي لا يعملوا: قفزة جريئة في الوهم! وحدهم الأكثر غنى من الشعب استفادوا من أجل السفر. النشاطات الأخرى، شغلت الطبقات الشعبية، نشاطات في أغلبها مجانية، كزراعة الشتول، صيد السمك، النقاش والتزيين…. تأطير الهوايات أصبح باكرا همّا سياسيا للدول، للمؤسسات الدينية، للمنظمات العمالية ومجموعات التعليم الشعبي. الوقت الحر يمثل محور وجودي ينبغي تأطيره ومحاصرته. العمل ينتج الناس، أما الراحة فلا تنتج شيئا. إشغال الشعب بتعليمه وترفيهه، غالبا بفضل السياحة، تنتزع الإنسان بإغراء فائض. بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فُرِض مجتمع السياحة. فازدادت، في مجتمع يزداد باضطراد، عملية شراء السلع والخدمات المتصلة بشكل غير مباشر بالغذاء والاستحواذ. من جهته العرض السياحي، ومن ضمنه “السياحة الجمعية” تلبلر من خلال تسويق منتجات جديدة. السياحة أصبحت دافعا لوضع موضع التنفيذ عملية إنتاج الأماكن وصيانتها بهدف تنميتها للغاية التي أقيمت من أجلها.

ترتبط السياحة بالرأسمالية. فاستفادت من تطوير خطوط المواصلات والاختراعات الجديدة مثل سكك الحديد والمحرك. السياحة عصبوية تجاه الأجراء، وتجاه توزيع دقيق للوقت بين العمل والهوايات. تعميمها في السنوات الثلاثين المجيدة (١٩٤٥- ١٩٧٥)، عبر انطلاق المجتمع الاستهلاكي والتشكّل المتزايد للطبقة الوسطى. كما اعتاد المعلقون على التحدث عن “دمقرطة” الرحلات، من دون أن ينتبهوا إلى خلطهم للديمقراطية السياسية بالاستهلاك الإقتصادي. دون أن ينتبهوا أيضا إلى أن السياحة العالمية تعني حاليا أقل من ٥ ٪ من سكان الأرض، وحيث يستطيع فقط ٤٠ ٪ من العمال الفرنسيين الذهاب إلى عطلتهم مقابل أكثر من ٨٠ ٪ من الكوادر العليا. “اليوتوبيا” السياحية لا تتميز، في الواقع، بالمساواة، بالعدالة وبالتضامن. السياحة ليست سوى استعمالا محصورا بفئة من الناس، وحاليا، ميزة لعدم الاستقرار البشري.

التعطش للسفر عبر وسائل النقل مع ما تسببه من ارتفاع نسب التلوث. فالسلع المنتجة عبر هذه الصناعة الهائلة (السياحة) تشكل تعميما لانعتاق ما يلبث أن يذوب بين رحى النظام الإنتاجي. الخروج من الرأسمالية يعني الخروج من العصر السياحي. وهي مناسبة لإعادة طرح تساؤلات حول شروط “العيش معا”، عبر الاعتماد على عنصرين: التضامن المنتَظَم بين الكائنات الحية (بشرية وغير بشرية) والوقت الحر. وذلك من أجل بداية جديدة؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في ضد السياحة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s