حماة… مساء ثلاثاء…

النص هنا

عبيدة عامر

ربما لم يدُر ببال بلال، ابن ال 15 عشر ربيعاً، أن لعبه ذاك اليوم لم يكن لعباً، وأنه عندما خرج وقبّل أمه بعد أن سرّحت له شعره، وقالت له: «دير بالك عحالك»، أنه لم يكن يملك حتى نفسه «ليدير باله» عليها كما طلبت منه أمه، ربمالم يدرِ أن الثواني التي قضتها أمه تسرح له شعره، قد سارت به بخط زمني مستقيم ليلتقي مع الرصاصة في لحظة خالدةخلدته، وخلدت حزنها عليه
ربّما خرج بلال متعمداً كما خرج قبله حمزة وهاجر وثامر بعد أن كذب على والده كذبة بيضاء، كقلبه وطفولتهوكفنه!

ربّماو ربما
واليقين الوحيدأن بلال – كهاجر وحمزة وثامر – لم يعد إلى المنزل ذلك اليوم ربما كان عماد شاباً عادياً، لكنه بلا شك كان بهيّاً في حياته، تماماً كما كان يخلد مرتاحاً بعد أن قام بواجبه ودافع عن حماة، عن أرضه وأرض أهلهعن مدينته التي نما وترعرع بها.

ربما بكى وهو يراهم يخفون آثار الدماء الجافة عن جدران الحي المجاور لهم، بعد أن قُتل فيها جاره، أو والده، أو صديقهربّما غضبوربما

ربّما كان عماد متفوقاً طموحاً، ينتظر بداية الصيف لينطلق لدراسته في فرنسا بعد أن هيأت له الدولة بعثة دراسية، تماماً كما هيأت له رصاصاً فرنسياً باسم حزب البعث…! ولكن ما لا شك فيه أن عماد الشهيد كان بدراً، تماماً كاسم المشفى الذي استشهد فيه

ربّما كان عبد الرزاق عائداً لمنزله من اليوم الأول لعزاء ابن عمه الشهيد شهاب، وربما ما إن دخل منزله حتى اقتحمه الشبيحة وقتلوهعبد الرزاق أبكى كل من كان حاضراً في العزاء، والدمع والدم قرينان لا يفترقان في حماة

ربما
وربما كان عبد الرزاق من الشباب الذين أغلقوا مداخل الحارات بأجسادهم وصدورهم العارية، التي لم تعرف الرصاصة التي اخترقت صدره لتخرج من ظهره أنها قد قتلت شهيدا آخر من نفس العائلة

ولكن الأكيد أن عائلة شهاب قد خطت في حماة اسمها بطريقتين، بالدم، وبالدمع

ربّما لم يعلم بهاء أن أمّه كانت تحبّه أكثر من روحها، وأنها كانت مستعدة لأن تدفع عمرها كلّه لتعيد به عشاءها الأخير معهولم يعلم كذلك أنها ستبكي عليه كل هذا، ربّما لم يكن يعلم أن الأم لا تحتاج سببا للبكاء على طفلها، ولكنها تحتاج سببا مقنعا للحياة من بعده

ربّما
وربّما كان يعلم، لذلك لم يرد أن يخرج دون أن تعطيه إذنا صريحاً، ووعداً صادقاً بأنها ستتمالك نفسهاولكن، يا لقلب الأم الكسير، أي دمع يجبره؟ أما ما لا شك فيه فهوأن بهاء قد تناول عشاءه الأخير وودع أمه وهما الآن معاً
حماة، 2011/7/5، مساء الثلاثاء

Advertisements
هذا المنشور نشر في الثورة, الربيع العربي, حماه, سوريا, عبيدة عامر وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s