“ثورة العبيد على أسيادهم”

مقابلة أجراها كريستوف أياد مع سمر يزبك في صحيفة ليبراسيون الفرنسية نشرت السبت 13 آب.

بعد مرور سنوات على الديكتاتورية، هل فاجأتك الثورة السورية؟

نعم وكلا. كلا ﻷن الشعب السوري يتعرض إلى الاذلال منذ أكثر من أربعة عقود وحتى اليوم، ويعيش تحت ضربات أجهزة الاستخبارات. في الآونة اﻷخيرة، لم تعد ترضى بمراقبة المجتمع، إنما تريد التحكم في حياة المواطنين. لا نتمتع بحرية الرأي أو التعبير في سوريا. حتى إذا أردنا السفر ينبغي الحصول على إذن. هذا البلد لا يعرف حياة سياسية. نعيش تحت حكم الحزب الواحد. إنه نظام عسكري، وليس جمهورية. كل هذا ليس بجديد، لكنه تراكم. في زمن حافظ اﻷسد لم يكن هناك ساتيلايت، ولا إنترنت، ولا فايسبوك، ولا يوتيوب. كان الخوف يشل الناس. كان بإمكان النظام أن يقمع مدينة، منطقة، دون أن يدري أحد بذلك. حافظ اﻷسد تمتع باجماع دولي: اﻷميركيون واﻹسرائيليون كان يرون فيه ضرورة للتوازن اﻹقليمي.

ما الذي تغير مع بشار اﻷسد؟

معه، النظام عائلي، عشائري. رامي مخلوف ابن خال الرئيس، يسيطر على 60 % من اﻹقتصاد السوري. كان هناك انفتاح إقتصادي، لكنه لم يفيد سوى عائلات قليلة. هذه الثورة هي ثورة “سبارتاكية”، ثورة عبيد على أسيادهم. وسائل اﻹعلام الجديدة ووسائل الاتصال سمحت بتكوين رأي عام في كل العالم العربي، ومن ضمنه سوريا. جيل جديد من الشباب المتعلمين، الذي بدأ في الحراك من أجل حقوق اﻹنسان، نظم اعتصامات داعمة للثورة في تونس ومصر. قُمِعَت فورا. في 16 آذار، تجمع المثقفون وأهالي سجناء أمام وزارة الداخلية قبل أن يقمعوا بشكل وحشي من قبل الشرطة والشبيحة. في هذا الوقت، اندلعت أحداث درعا، حيث اعتقلت مجموعة من اﻷولاد لكتابتهم شعارات معادية للنظام على الجدران. وعندما ذهب اﻷهالي لرؤية المحافظ، عاطف نجيب، قريب الرئيس، كان جوابه: “أنسوا أولادكم، أنجبوا غيرهم، وإذا لا تعرفون كيف، أجلبوا لنا نساءكم!”. فكانت الشرارة.

متى فهمت أنها ثورة؟

إنها ثورة حقيقية، بدأت في الريف، ثورة المهمشين والمنسيين. النظام قمع وقتل بشكل أسهل ﻷنه يعتبرهم حثالة. المثقفون لحقوا بهم. لقد ذهبت إلى أغلب المدن التي شهدت تظاهرات، إلى درعا، بانياس، اللاذقية، ودوما. منذ البداية كانت الشعارات متشابهة، ولم يكن هناك أي تنسيق. الناس تريد أن يتوقف تدخل أجهزة الاستخبارات المستمر في حياتهم اليومية. بدأت التحركات بمطالب اجتماعية وتنادي بالكرامة. وبعد مرور شهر، وبعد كل الدم المسال، ظهرت الشعارات المنادية بسقوط النظام.

عندما تدخل الجيش، في درعا، هل اعتقدت أنها ستكون نهاية الحراك؟

في البداية، كنت دائمة الخوف من أن يأتي القمع على حركة الاحتجاجات. لكن هنا كان ثمة معجزة سورية: وعندما كانت درعا محتلة من الدبابات وكانت المدينة تشهد مجزرة، جرى وضع موضع التنفيذ لتنسيقية لتنظيم تظاهرات تضامنية مع درعا. النظام نشر الموت في كل مكان. نظمت مبادرات لم يسمع عنها خارج البلاد: أطباء أتوا بالسر إلى درعا، من دمشق ومدن أخرى. شباب التنسيقيات خلقوا رويدا رويدا مجتمعا مختلفا حقا.

لماذا لم تشهد حلب ودمشق تصعيدا حقيقيا في التحركات؟

بداية، هنا تتركز الطبقات الاجتماعية اﻷكثر استفادة من النظام. لكنها، إذا رأت أن مصالحها ستتضرر، فالبرجوازية التجارية في النهاية ستأخذ موقفا ضد اﻷسد. حيث البلد يشهد أزمة إقتصادية كبيرة. السبب الثاني، هو أن كل الساحات العامة احتلتها القوى اﻷمنية لمنع أي تجمع مهما بلغ حجمه. السلطة مهووسة بهاتين المدينتين. هناك تظاهرات يومية في العاصمة لكنها أجهضت في مهدها. مرة، أردنا تنظيم مسيرة نساء في حي ساحة عرنوس في دمشق. جرت الدعوة بشكل سري، حتى لا تعلم السلطات بشكل مسبق بها: لم نعتمد على فايسبوك ولا الرسائل الإلكترونية ولا الرسائل النصية على الهاتف الخلوي. كنا بين 80 و90 شخصا. خلال خمس دقائق وجدنا أنفسنا محاصرين من الشرطة والشبيحة الذين قمعونا.

النظام يسعى إلى تأجيج الاختلافات الطائفية، هل سينجح ذلك؟

لا يمكن نكران الواقع الطائفي، لكنه حتى الساعة لم ينزلق إلى حرب أهلية، على الرغم من سعي النظام إلى حصول ذلك. هناك بضعة انتقامات ولكن نظرا إلى فداحة الانتهاكات التي ترتكبها السلطات فإنها تبقى حالات معزولة. أنا من بلدة جبلة، مدينة مختلطة، سنية- علوية بالقرب من اللاذقية. في اليوم الذي قتلت فيه السلطات 11 سنيا، ذهبت اﻷجهزة اﻷمنية إلى اﻷحياء العلوية وقالت لسكانها أنها تريد حمايتها من انتقام السنة. بيعت أسلحة هناك عن طريق الشبيحة، والنتيجة كانت تقسيم المدينة إلى قسمين.

من هم الشبيحة؟

إنهم ميليشيات مشكلة من الشباب العلوي المولود في الثمانينيات من القرن الماضي. في المحيط العائلي لحافظ اﻷسد. يؤيدون النظام تأييدا كاملا. ويدفع لهم أجرا لقاء عملهم الوضيع. ينسقون مع المخابرات والشرطة والجيش. هم من يقوم العمل القذر.

بماذا تفكر الطائفة العلوية، التي تنتمين إليها، كما تنتمي عشيرة الأسد؟

اﻷغلبية متضامنة مع عائلة اﻷسد. إنهم يفكرون بأنهم سيدفعون الثمن إذا سقط النظام، حتى ولو لم تستفد منه. هناك ذاكرة نشطة للاعدامات التي حصلت والاستغلال الذي عاشته الطائفة العلوية. ولكن عند النخبة، الشباب يشاركون في لجان تنسيق الثورة، خاصة في اللاذقية. بالنسبة إلى المسيحيين، لقد انسحبوا: أغلبيتهم تشعر بالخوف من الغالبية المسلمة ويتأثرون بدعاية النظام القائلة باختراق المجموعات السلفية للتظاهرات.

أنت أيضا، جرى توقيفك…

نعم، في البداية شنت حملات ضدي على الانترنت. جرى توقيفي عدة مرات. وبما أنني كاتبة معروفة في سوريا وأنتمي إلى عائلة علوية كبيرة، لم يتجرأوا على إطالة مدة توقيفي. لكن في كل مرة اعتقلت فيها جرى تعصيب عيني وحقق معي وهددت لساعات. وكما لم يستطيعوا فعل أي شيء لي، أرادوا أن أرى الذين جرى توقيفهم وتعذيبهم، أرادوا أن أتخذ موقفا مناهضا للثورة. وعندما لم يفلحوا بذلك، عمدوا إلى تشويه سمعتي. جرى توزيع كتابات مجهولة في قريتي تتهمني بالخيانة وتدعو إلى قتلي. بدأت أتعرض للتهديد على يد علويين. هذا ما أقلقني، أكثر من التوقيفات. عند الاستدعاء الخامس لي من قبل المخابرات تخفّيت. وعند انطلاق ما يسمى بالحوار الوطني، سمحت السلطات بحرية السفر، حتى للمعارضين، فاستفدت من ذلك من أجل مغادرة البلد.

هل تفكرين بالعودة إلى سوريا؟

بالطبع، إنها بلادي. الناس تموت هناك، أفكر بهم كل يوم. أنا لست منفية.

النظام رفع حالة الطوارئ وسمح بالتعدد الحزبي، ما هو رأيك حيال ذلك؟

إنه ذر للرماد في العيون. اﻹصلاحات الحقيقية تعني نهاية النظام. إذا أجريت ذات يوم انتخابات حرة في سوريا، فإن نظام بشار اﻷسد سينتهي. إذا كان النظام مؤمنا بالإصلاحات، كان توقف عن قتل شعبه.

Advertisements
هذا المنشور نشر في الثورة, الربيع العربي, سمر يزبك, سوريا وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s