قمع الشعوب غير العربية: أمازيغ شمال أفريقيا

النص للكاتب حارب خليفة

كما أن اللغة العربية هي اللغة السائدة في دول شمال أفريقيا، يستمر ملايين اﻷمازيغ، مثلي، بالتحدث بلغتهم (الأمازيغية)، التي تتراجع باضطراد، ونقاوم بصعوبة ﻹخفائنا المبرمج.

الصراع من اجل الاعتراف بالثقافة اﻷمازيغية في الجزائر أو في شمال أفريقيا هو امر أساسي. هذه الثقافة المقموعة من قبل اﻷيديولوجية الرسمية، محوّرة من قبل اﻷنظمة الديكتاتورية التي اختارت عقب الاستقلال سياسة تعريب الشعوب اﻷصلية (بأغلبيتهم أمازيغ)، حيث كانت اللغة العربية بالنسبة لهم لغة غريبة.

ينبغي معرفة أن مسار التعريب قد انطلق منذ قرون ماضية، وازدادت وتيرته بعد الاستقلال، ﻷن التعريب المفروض من قبل الديكتاتوريات الوطنية، العربية والستالينية جرى تحت حجة ماكرة: نزع الاستعمار الثقافي واللغوي. هذه الكتلة العربية، أو حتى العالم العربيهي اختراع جمال عبد الناصر في مصر، حافظ اﻷسد في سوريا، معمر القذافي في ليبيا وهواري بومدين في الجزائر. العالم العربي هو آلة استعمارية جديدة لا تهدف سوى إلى تأبيد استلابنا وخضوعنا. اليوم، حيث تفقد هذه الأنظمة شرعيتها وتُسقط علي يد شعوبها فإن التجديد الديمقراطي يفرض القطع مع سياسات وأيديولوجيات هذه اﻷنظمة. وإذا حصل العكس، في حال استمر هذا اﻹرث مرتكبا ذات الحماقات (قمع، إزعاج، إخضاع، استلاب وظلم) فسيؤدي إلى استمرار إغراق اﻷمازيغ في هذه الكتلة العربية وتقديمهم تحت تسمية عرب، فستكون مثالا على استمرار ذات النسق ونفس التفكير.

حت في اللغة العربية، هناك فارق بين اللغة العربية العامة واللغة العربية الفصحى، اﻷدبية. إذا كانت اﻷولى هي اللغة الفعلية التي بها غالبية الشعوب الجزائرية والمغربية، فإن الثانية مفروضة على هذه الشعوب في المدرسة، في اﻹعلام وفي الخطابات الرسمية للحكام. السياسة الرسمية خاصة في الجزائر جعلت من اللغة العربية العامية واﻷمازيغية (إنسان، لغة وثقافة) موضوعا غير مقدرا، قليل القيمة، هجينا، من اجل فرض اللغة الفصحى، اللغة النقية والمقدسة (لغة القرآن). هذا التبجيل هو بهدف الاندماج في كتلة أيديولوجية عربية إسلامية متجاوزة للحدود الوطنية (اﻷمة العربية) حيث تعرف الهوية في المنطقة الممتدة بين الشرق اﻷوسط والمحيط اﻷطلسي من خلال معيار عربي وإسلامي، متجاوزة حقائق محلية ووطنية. أيضا، اليوم، التحدث باللغة العربية أننا عربا أو عملاء بخدمة السلطة القائمة، كما كانت الحال مع الجزائريين الذين أتقنوا اللغة الفرنسية (خلال الاستعمار) والذين، على الرغم من هذا اﻹتقان، اعتبروا دائما بلديين، مسلمين، عربا، افارقة الشمال….، لكن لم يعتبروا أبدا فرنسيين. سكان شمال أفريقيا ليسوا حصرا من العرب. الاستمرار بقولها هو الاستمرار بالنفي الهوياتي وتجاهل أجزاء كبيرة من تاريخ هذه المنطقة. كما تحدث كاتب باللغة الفرنسية مع الفرنسيين ليقول لهم أنه ليس فرنسيا، انا اتحدث وأكتب باللغة العربية ﻷقول للعرب أنني لست عربيا.

القليل من التاريخ
عام 1949، لم يتضمن برنامج حزب الشعب الجزائري (استقلالي) عن الهوية الجزائرية إلا العناصر العربية والاسلامية فسبب أزمة لا سابق لها في تاريخ الجزائر.
بالفعل فإن نشطاء من الماركسيين الأمازيغ، رفضوا تعريفا إثنيا ودينيا لجزائر جديدة ورفضوا تقييدا للهوية الوطنية، اجتمعوا حول فكرة جزائر جزائرية، التي تأخذ بعين الاعتبار مجموع الهوية الجزائرية، في كل أبعادها ومكوناتها. جواب قيادة حزب الشعب الجزائري لم يتغير فاتهموا بأنهم بربر (بصيغة عنصرية) وعملاء للاستعمار الفرنسي، فطردوا من الحزب وقتل آخرون.

سنة 1963، بعد مرور عام على الاستقلال، اندلعت ثورة قادتها جبهة القوى اﻹشتراكية، هي جزء من اليسار الذي رفض الديكتاتورية وحصر السلطة بيد زعماء الحرب. من أسباب النزاع، نعثر على إنكار الهوية التي تتميز برفض اللغة والثقافة الأمازيغية ومصادرة الانقلابيين للاستقلال الجزائري من خلال تدفيع منطقة القبائل (منطقة أمازيغية) ثمنا باهظا. صراع اﻷخوة اندلع وادى إلى مقتل 400 أمازيغي كلهم من المحاربين القدامى قي جبهة التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي.

عام 1980، في ظل غياب الحريات (الفردية والعامة) والقمع الشديد الممارس من قبل السلطة اﻷمر الذي سبب تذمرا شعبيا. فبعد منع مؤتمرا عن الشعر اﻷمازيغي القديم، هبت كل منطقة القبائل. انطلقت الاحتجاجات من جامعة تيزي أوزو، وضمت اﻵلاف من الطلاب وشملت العاصمة، فزعزعت جديا السلطة وعقيدة الفكر الواحد. إنه الربيع اﻷمازيغي! هنا أيضا كانت المطالبة الهوياتية واللغوية الركن اﻷساسي في حركة الاحتجاجات. القمع، مرة أخرى كان شديدا: مئات الجرحى والمعذبين، 20 طالبا معتقلا بأغلبهم ينتمي إلى حركة اليسار الجذري (مجموعة الشيوعيين الثوريين، التي أصبحت لاحقا حزب الإشتراكي للعمال، بعد الانفتاح الديمقراطي عام 1988). كما أنهم اتهموا بالانعزالية (التقسيم) واﻹلحاد والعمالة للقوى اﻷجنبية.

عام 2001، قبل عقد من رياح الحرية التي تهب على الدول المجاورة، شهدت منطقة القبائل إثر اغتيال تلميذ على يد فرقة من الشرطة هبة شعبية. وكما هي الحال في الثورات التي تعيشها دول الشرق اﻷوسط وشمال أفريقيا، قامت الحركة ضد عدم الاعتراف بالهوية والظلم الاجتماعي والقمع. المحصلة كانت من جديد مرعبة، 127 شابا سقطوا برصاص قوى اﻷمن.

المقاومة مستمرة
كما لاحظنا، فإن الصراع اﻷمازيغي يتم في ظروف صعبة وغالبا محفوف بالخطر، لكنه مستمر. في هذا الصراع من اجل اﻷمازيغية تعلمت ورفاقي أبجدية النضال. الصراع هو من أجل لغتنا وثقافتنا الأمازيغية، الذي ربطت دائما بالمطالب الديمقراطية والاجتماعية (حقوق، حريات فردية وعامة وعدالة اجتماعية)، علمنا باكرا مساوئ سلطة ديكتاتورية وأيديولوجياتها الوقحة، التي إن لم يكن هدفها محو الهوية، فإنها على اﻷقل، تهدف إلى تحقيق الاستلاب الثقافي واللغوي.

اللغة العربية المعظّمة من قبل حكومات دول شمال أفريقيا، هي أداة اﻷسلمة وغرس العقائد في الشعوب. هي سلاح أيديولوجي مرفوض، على اﻷقل من قبل اﻷقليات اللغوية واﻹثنية مثل الأقلية اﻷمازيغية. الحركة الثقافية الأمازيغية هي منظمة جماهيرية أفقية. ناضلت وتناضل دائما من أجل الاعتراف الرسمي بالهوية الأمازيغية بكل أبعادها. هذه الحركة كانت دائما خزانا من الناشطين والناشطات في اليسار الثوري (تروتسكيين) الذين ربطوا دائما بين النضال من أجل المسألة الأمازيغية والمطالبات الاجتماعية للجماهير، واستمروا بالمطالبة بتغيير جذري. الناشطون هم أنفسهم من لفت نظرنا إلى الالتباسات داخل الدول التي تدعي أنها عربية، التباسات قد تكون مضرة إذا استمرت في الحفاظ عليها.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أمازيغ, الثورة, الجزائر, الربيع العربي وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s