وأخيرا، ندوة في بيروت تتضامن مع الثورة في سوريا

المكان: بيروت- زيكو هاوس.
الزمان: 18 أيار 2011 الساعة السادسة
الموضوع: ندوة بعنوان ” الحراك الشعبي في سوريا: مؤامرة أم انتفاضة؟”

كان للندوة محوري اهتمام، الأول، السقف العالي للمتحدثَين المتضامنَين مع الثورة السورية (ألكسندر عمار وكميل داغر) والحضور، أما الثاني فكان باب الغرفة الكبيرة في بيت زيكو إذ كانت الأنظار تتجه صوبه كلما فتح الباب لتعود العيون إلى اطمئنانها البريقي للتضامن المتواضع مع الثورة عند شقيقتنا.

تمازج الخوف بالشجاعة في ندوة البارحة. كيف لا وكل محاولات تنظيم اعتصامات أمام السفارة السورية، أو تنظيم مؤتمر تضامني مع سوريا (في البريستول) كانت تجد من يسطو عليها متوعدا، مخونا. أيتام النظام السوري في لبنان يشعرون بما يشعر وليهم في الشام، ولأن رسالته خالدة، “يجب” أن يكون قمعهم (وقمعه) خالدا، أسطوريا.

مساحة الحرية الضيقة التي تميزت بها بيروت، تتآكل. فإذا كان منظمو اللقاء التضامني مع الشعب السوري من 14 آذار، وعلى الرغم من الاختلافات بين اليسار الثوري وهذا التيار (كذلك 8 آذار)، فالحفاظ على مساحة الحرية ضروري لأنها ضمانة للجميع. فعندما تحركت (وتتحرك) الشعوب في المنطقة العربية في هذا الربيع الواعد إنما تتحرك توقا إلى العبارة الأسمى: الحرية. تدوس يد ثقيلة على الفضاء البيروتي.

سجل حافل للنظام السوري. عبارة ترددت كثيرا في الندوة. سجل ليس ناصعا بالطبع. القمع الذي مارسه النظام السوري شمل الجميع. شمل في المقدمة الشعب السوري على مر العقود الماضية من حكم البعث، قمع بالحديد وارتهان لفساد عميق، وترهل في الإدارة. قمع تعرضت له الحركة الوطنية عندما كانت تحاول بناء حركة شعبية لتغيير النظام في لبنان، فتحالف النظام السوري مع القوى الرجعية في تلك الفترة من السبعينيات، وأجهض “الحراك الثوري” آنذاك. مُسِحت مخيمات من الوجود (تل الزعتر- الضبية). تفرج النظام السوري على الاجتياح الصهيوني للبنان. ومن ثم ساهم في ضرب جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. إلى أن دعم المقاومة في صيغتها الحالية (حزب الله) حيث صبت هذه المساعدة في خانة الورقة السياسية الضاغطة على الإدارة الأميركية توقا وشوقا لمفاوضات سلام، هنا يمكن سؤال النظام التركي عن محاولاته للتوسط من أجل هذا “السلام”. هذا السجل يتلاقى مع مؤشرات إقتصادية، تمكنت الندوة من تظهيرها، حيث تظهر نسب البطالة والفقر التي لا تجعل من سوريا في أدنى الدول لناحية هذه المؤشرات، ولكن تضخم الجهاز العسكري والأمني ليجعل من هذه الترسانة والتي تَعِدُ “بتحرير فلسطين” من أكبر جيوش العالم – دون أن تطلق طلقة واحدة على الاحتلال الصهيوني للجولان- هذه الترسانة لم تحقق التحرير الموعود، ولم تحقق توازنا استراتيجيا مع العدو، بفعل امتلاكه لترسانة نووية.

لواستُعمِلت الأموال التي صرفت على هذا الجيش في تنمية سوريا وتحقيق الإنماء المتوازن فيها هل كانت ستوفر على النظام ما “يتعرض” له؟ سؤال طُرِحَ بالأمس، ولكن عندما خطت أيدي فتية صغار على جدران درعا عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” كانت نقطة اللاعودة. فالنوم على مخدة الاستقرار الممزوج بالقمع “الناعم” -والحديد والنار والاعتقال الطويل دائما، وعند اللزوم- لم يعد هانئا.

الحرية والخبز والعدالة الاجتماعية للشعب السوري، والشعب السوري “إيد” واحدة، “لا إخوان ولا سلفية الشعب السوري واحد”، رفعت هذه الشعارات في سوريا، في القرى الأشد فقرا والأكثر تعرضا للقمع. وعلى الرغم من هتافات مذهبية ومناطقية هنا وهناك فإن الرفض العارم لحالة المراوحة التي تعيشها الشعوب العربية، حيث يتعرض الإنسان لمهانة وإذلال كبيرين في كرامته البشرية، في خبزه اليومي وفي وجوده ككائن حي له حقوق طبيعية وبديهية. ثمة حاجة لحلم واقعي. يعتقل المتظاهرون، ثم يطلق سراحهم بعد تعرضهم لتعذيب شديد، ويعودون إلى أحلامهم الأرضية، الجنة تصنع هنا، وفي هذه اللحظة، على هذا البر.

تعتيم إعلامي وأبواق. تضامن مع الثورة في تونس، في مصر، في البحرين، أما الثورة في سوريا فهي “عصابات مسلحة” و”مؤامرات”، و”أمراء وإمارات”. ضبابية هذا الإعلام وتحوله إلى بوق صغير للنظام السوري أمر مدان ومرفوض. تلاقت عدة مداخلات في الندوة على هذه النقطة كذلك. الفضاء الذي ندعي بأننا ننعم به في لبنان تشوبه ندوب وجروح عميقة أصابت الصحافة والإعلام، هم لديهم إعلامهم وحساباتهم السياسية والمادية (مع استثناء بعض الأقلام الجريئة)، ونحن لدينا إعلامنا البديل.

هواجس وإشكاليات طرحت بالأمس. العلاقة بين ترنح حملة إسقاط النظام الطائفي ورموزه في لبنان وإستغلال “رخيص” لمحاولات إطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة وقمع الثورة في سوريا. بالطبع ثمة قاسم مشترك لأن المسبب للفعل الممارس على التحركات المذكورة هو واحد، لأن استمرار النظام اللبناني برموزه وجناحيه الفاسدين (14 و8 آذار) هو باستمرار النظام السوري والعكس صحيح، كما تتشابك هذه العلاقة مع السجون الجماعية التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون والتحكم في مسارهم وقرارهم الديمقراطي الحر من جهة، ومن جهة أخرى حرمانهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية والإقتصادية. كما طرحت مسألة انتظار انتهاء ضبابية هذا الحراك في سوريا بحسب البعض، ليتدخل اليسار بعد ذلك. هذه الفكرة أجاب عنها عدد من المتحدثين، الذين رأوا أن دور اليسار يبرز في هذه المراحل من تبلور حركة الوعي المتسارعة عند الثوار والمنتفضين، وتدخله وإشتراكه ضروري لمواجهة هيمنة الخطاب السائد المفروض من الأنظمة ووسائل سيطرتها على المجتمع. أما البديل المأمول من هذا الحراك فالبعض اعتبر أن الثورة تحدد بديلها، منهم من فضل الحذاء على الأنظمة السائدة، والبعض الآخر أصر على برنامج يفرض حلا إشتراكيا يناهض رأسمالية الدول العربية وسياساتها الإقتصادية والفاسدة. في حين اعتُبِر مسار الثورات الحاصلة سيفرض دولا ديمقراطية كحل منظور. واعتبر البعض أن الصراع مع إسرائيل لا يقوم باستمرار هذه الأنظمة التسلطية الحامية لهذا الكيان، فالدولة الديمقراطية لا تحول دون ذلك، كما ثمة ضرورة لفهم أفضل للمسالة اليهودية في الصراع هذا والتمييز بين الصهيونية والدين اليهودي، بغية الوصول إلى دولة علمانية ديمقراطية في فلسطين تشمل كل الأديان.
“نشكر الحضور على مشاركتكم” قال مقدم الندوة. تسمّر الحضور في مقاعدهم لبرهة من الوقت. شعور بعجز ندوة لإيفاء جميل كبير قدمه لنا الشعب السوري. عمال استغلوا مرتين: من قبل النظام السوري الذي نفّس حالة الاحتقان الاجتماعي الناجم من نسب البطالة المرتفعة، عمال بنوا بيروت وشقّوا الطرقات التي ربطت أطراف لبنان بأطرافه، ومن قبل النظام اللبناني (وبيروقراطية النقابات) بحرمانهم من حقوقهم العمالية وضماناتهم الاجتماعية البديهية، فضلا عن تعرضهم لهجمات عنصرية تتراوح بين السخرية والقتل (سنة 2005 خير مثال). دين لاستضافتهم للمهجرين بفعل العدوان الصهيوني على لبنان في تموز- آب من العام 2006 فبودلت هذه الاستضافة بصمت القبور والتواطؤ القاتل.

ندوة واحدة ضرورية ولكنها ليست كافية، ثمة شموع بحاجة إلى إضاءة حدادا على شهداء (شهدائنا) سقطوا، ثمة أشعار بحاجة إلى قراءة، ثمة طرقات تشتاق إلى متظاهرين.

Advertisements
هذا المنشور نشر في نضال مفيد, التجمع اليساري من أجل التغيير, الثورة, الربيع العربي, تضامن, سوريا وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s