خصخصة المدرسة مسار شبه مكتمل

الكلام عن خصخصة المدرسة ليس بجديد، إذ إن المبدأ في لبنان منذ القرن التاسع عشر هو الاعتماد على المدرسة الخاصة، والاستثناء كان المدرسة الرسمية، المدرسة العامة. تأسست المدرسة الإنجيلية الأميركية عام 1820، بينما تأسست أول مدرسة رسمية عام 1876 في بيروت. هذا الفارق في السنوات استمر فروقات في أمور أخرى. فبعد نهوض متعثر، نتيجة الحرب، للتعليم الرسمي في لبنان تسعى حكومات ما بعد الطائف، لتخفيف ديون الدولة وإنفاقها، إلى ترشيد القطاع العام وبالتالي إلى التخفيف من عدد المعلمين، تمهيداً للانقضاض على ما تبقى من مفهوم الخدمة العامة واستبداله بآخر، السلعة الخاصة.


مشروع التعاقد الوظيفي

من خلال مراجعة مشروع قانون موازنة 2005، يمكن قراءة الوجه الحقيقي لحكومة ذلك الوقت (1)، إذ ورد في البند الثامن، المادة 39 من مشروع قانون الموازنة التالي: “يجاز للحكومة خلال مهلة سنة من تاريخ نفاذ هذه المادة، بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بعد تحقيق تجريه إدارة الأبحاث والتوجيه وبعد استطلاع رأي كل من مجلس شورى الدولة وهيئة مجلس الخدمة المدنية، تحديد صلاحيات الوزارات …. وإعادة النظر بتنظيم ملاكاتها بحيث يتضمن تخفيضاً في تسميات الوظائف وعديدها وإلغاء للوحدات الإدارية الزائدة“.

وتضيف الفقرة الثانية من هذه المادة، الوجه الحقيقي لهذا المشروع، حيث يعرض على الموظف الذي قد تلغى وظيفته وظيفة شاغرة ضمن إدارته أو في إدارة خدمة، وفي حال لم تتوافر وظائف شاغرة، عُرضت عليه وظيفة أدنى، وفي حال الرفض أُحيل على التعاقد أو صُرف من الخدمة.

ولزيادة الإغراءات، طرحت الحكومة ممثلة بوزيرها السنيورة، طرحت تعويضا يضاف إلى حقوقهم المتوجبة على الخزينة، هذا التعويض يحتسب على أساس راتب الشهر الأخير، فيعطى الموظف راتب الشهر الأخير عن كل سنة خدمة فعلية، على ألا يزيد عدد الشهر عن ثلاثين شهراً وعلى أن لا بقل المبلغ الإضافي عن 30 مليون ليرة ولا يزيد عن 200 مليون ليرة.

حسناً، إنها رشوة موصوفة، تقول الحكومة لموظفيها أقبلوا هذه الشروط مع مكافأة. وتستبدل الحكومة الملاك الوظيفي الدائم بالتعاقد الوظيفي عن طريق مباراة محصورة بالموظفين. كما أن للحكومة، بحسب مشروع القانون هذا، أن تصرف من يمتنع عن تقديم طلب اشتراك بالمباراة أو من لم يشترك فيها، وذلك لقمع أية حركة احتجاجية على هذا المشروع.

أما في المادة 51 من المشروع عينه، فإن الحكومة تسعى إلى إلغاء كل مدرسة رسمية يقل عدد تلامذتها عن مئة تلميذ. كأن الحكومة استغنت عن استقطاب تلامذة من المدارس الخاصة. وهي بهذا تريح المدارس الخاصة من منافسة مشروعة معها. هذا الدمج لو طُبّق كان سيزيد الفائض عند المعلمين في القطاع العام، ويعرّضهم بالتالي إلى الشروط المذكورة أعلاه، وهذا العدد الفائض ليس بقليل، بحسب إحصاءات(2) المركز التربوي للبحوث والإنماء، لأن عدد المدارس التي تحتوي على أقل من مئة تلميذ هي 400 مدرسة أي 30% من المدارس الرسمية. بالإضافة إلى المشاكل التربوية التي يسببها الدمج المدرسي بين المدارس المغلقة والمدارس الرسمية المستوفيةالشروط. الأمر الذي يدلّ على التخطيط المبرمج لضرب التعليم العام، لسلطة ترفض التخطيط المطوِّر لهذا القطاع.

مشروع موازنة 2005 سقط
الحكومة تتسوّل في باريس للمرة الثالثة

إنه العاشر من أيار من العام 2006، نزلت هيئة التنسيق إلى الشارع، والمطلب إسقاط مشروع التعاقد الوظيفي. خرج المعلمون والأساتذة من كل الفئات السياسية، بالرغم من الانقسام السياسي الحاد إثر اغتيال رفيق الحريري.

وردد في بيان الهيئة: “ما نقوله ما يعرفه المواطنون جميعاً: “إذا أردتم مكافحة الفساد والهدر، إذهبوا إلى مصادرها الرئيسية، وإذا كنتم تتجاهلون مكامن الهدر والفساد فنحن نرشدكم مرة أخرى إليها، إذهبوا إلى حيث يجب الذهاب، إذهبوا إلى كبار المتمولين والسماسرة، إذهبوا إلى الأملاك البحرية“. وبحسب البيان عينه فإن الحكومة لم تقدم على إلغائه، إنما تراجعت عنه.

وبالفعل، أطلّ باريس 3، وتوجّه الرئيس السنيورة، إلى شيراك وأمثاله. في ذاك الوقت، أشعلت معارضة الثلث المقدّسالإطارات ولم تطلق أي موقف حول مؤتمر باريس ورقمه الثالث، وذلك انسجاماً مع موقفها من المؤتمرات الباريسية السابقة.

ماذا يتضمن هذا المشروع حول موضوعنا الذي نعالج؟ تحت عنوان برنامج لبنان الاقتصادي، وضمن برنامج الحكومة الإصلاحي، تبغي الحكومة إصلاح نظام التقاعد ونهاية الخدمة؛ تتذمّر الحكومة من الكلفة الباهظة لأنظمة التقاعد في القطاع العام، متحدثةً بلغة الأرقام (نسبة كلفة التقاعد على الموازنة هي 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004). كما إن نظامي التقاعد ونهاية الخدمة يشكلان 60% من الناتج المحلي الإجمالي(3)، لذا ستعمد الحكومة إلى تغيير النظام التقاعدي.
من جهة تحافظ الحكومة من خلال هذا المشروع الجديد على الحقوق المكتسبة للعاملين الحاليين، ومن جهة ثانية ستغلق الاستفادة من الأنظمة أمام المنتسبين الجدد إلى القطاع العام، ومن ثالثة، ستتيح للموظفين الحاليين إمكانية الانضمام إلى النظام الجديد، وهي تتوقع من خلال كل ذلك إزالة كل العبء عن كاهلها وتحقيق الوفر المالي المنشود.

كم كانت هيئة التنسيق محقّة عندما اعتبرت أنّ الحكومة لم تلغِ المشروع. في ظل هذا المشروع، تهدف الحكومة إلى “”عقلنةإنفاق القطاع بعد إكمال الخريطة المدرسية وتوزيع المعلمين، وتزيّن هذا الكلام بخططٍ لمعالجة التسرّب والرسوب المدرسيين، وتوزيع مساعدات مالية مباشرة لتغطية الأكلاف المدرسية (كتب وقرطاسية ونقل وطعام في المدرسة). فتكون الحكومة بذلك، قد جدّدت لنفسها، والتزمت أمام المجتمع الدولي، بمشروع قانون موازنة عام 2005، غير آبهة بالاعتراضات على مشروعها لضرب القطاع العام، والخدمة العامة.

مؤشرات تدلّ على ضرب المدرسة الرسمية

المادة 10 من الدستور اللبناني: “التعليم حرّ ما لم يخل بالنظام العام أو ينافي الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب ولا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفاقاً للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية“.

العودة إلى الكتاب ضرورية لتحديد الإطار العام لعمل الحكومة اللبنانية، والأجهزة المرتبطة بها. فالحكومة لتكون منسجمة مع ذاتها، يجبأن تعمد إلى ضرب التعليم الرسمي، فعندما يتحقق مخططها هذا، يصبح مشروع قانون موازنة عام 2005، وبنود مؤتمر باريس 3، واقعاً. إلا أنّ الحكومة لا تنتظر دعوة للضرب، لأنها تقوم بذلك من خلال التالي:

أ‌. إغلاق باب التوظيف في التعليم الرسمي

تشكّل نسبة المتعاقدين في المدارس الرسمية من مجمل عدد المعلمين، ما نسبته 30%(4). وإذا عُرِف عدد المعلمين المتقدمين في السنّ والبالغ 12 ألف معلّم لمن هم فوق 50 سنة (إحصاءات عام 2006)(5)، وعدد صغارالسن والبالغ 27 ألفاً، أما في القطاع الخاص فالواقع معاكس تماماً، الأمر الذي سيشكّل نقصاً هائلاً في المعلمين، بعكس ما يشاع عن هدرٍ وفائض.

هذا النقص غير المعترف به، يغطّى بالمتعاقدين، الذين يدخلون سلك التعليم، دون الخضوع لمباراة دخول ولدورات إعداد وتأهيل، باعتبار أغلبيتهم من حملة الإجازات المصنّفة قانوناًتعليمية، ولكن طبيعة إعدادهم الجامعي لا تؤهلهم للتعليم؛ من تعلّمٍ لطرائق التعليم وطرق إدارة الصف وعلم النفس التربويولأن فرص العمل قليلة في لبنان، يلجأ هؤلاء إلى الواسطةلإدخالهم إلى جنّة التعليملتأمين لقمة عيش دون ضمانات صحية وبدل نقل وتعويضات.

هكذا يتحقق هدف الحكومة الإفراغي للقطاع التعليمي من كفاءاته دون مشاريع وبهورات إعلامية. والحديث عن الكفاءات التعليمية عند أهل التعليم ليس بمستغرب، لأنهم يسبقون معلمي المدارس الخاصة المدفوعة بنسبة 2% من ناحية حملة الشهادات، كما إنّ 66% منهم هم من حملة الإجازات ومن خريجي دور المعلمين، في وقت كانت نسبة المعلمين في القطاع الخاص المدفوع في هذا المجال 46%(6).

ب‌. الكتاب المدرسي وجودته

بحسب دراسة قامت بها الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية(7) لتقييم الكتب المدرسية الرسمية، والتي أصدرها المركز التربوي في نهاية التسعينيات انسجاماً مع خطة النهوض التربوية واتفاق الطائف، تناول التقييم لكتب مواد اللغات (العربية، الانكليزية، الفرنسية) والعلوم والرياضيات والاجتماعيات لعدّة صفوف عبر استعمال محكّات للتقييم في المجالات التربوية والتنميط الجنسي والتمييز الاجتماعيالمهني، فأظهرت نتائج الدراسة ضعفاً في التالي: توافر المهارات والمواقف، اتساق بنية الدرس، الكثافة والوقت، التقييم، ملاءمة اللغة، بالإضافة إلى تفاوتٍ في مستوى الكتب ضمن الصف الواحد، وتفاوت في مستوى الصفوف للمادة الواحدة، تدنياً في مستوى اللغات وخاصة اللغة العربية، بالإضافة إلى الضعف الكبير في التقييم.

في هذه الكتب، يتعلّم تلامذة المدارس الرسمية، ولم يحاسَب أحد على نشر الأميّة التعليمية، علّهم بذلك يسرّعون الخطى نحو إعدام المدرسة الرسمية. تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسة المشار إليها نشرت عام 2002، وإلى هذه اللحظة لم يتخذ أي تدبير لوقف المهزلة، المسماة تجاوزاً إصدار كتب“.

ت‌. التفتيش التربوي، شرطي سير المدرسة

يتمتع التفتيش التربوي بعدّة صلاحيات، فيراقب سير العمل في المدارس، كفاءة المعلمين وكيفية قيامهم بواجباتهم، مدى تطبيق أنظمة الامتحانات الرسميةوالتفتيش بصفاته هذه كمراقب وكمفتش، يحمل معه إلى المدرسة دفتراً للعقوباتيمكن له أن يفرضها على المعلمين، في إطار مراقبته لهم، فتتراوح بين عقوبة التأديب وحسم الراتب لمدة ستة أيام. إلا أنه لا يحمل دفتراً للتنويه وزيادة الراتب أو التوصية بذلك أقلّه، فتتحول عملية استضافة المفتش إلى مشهد تمثيلي، يقوم المعلم بأقصى جهد أمام المفتش، وأقصى انضباط.

ولعلّ قلة زيارات المفتشين، بسبب النقص في عددهم، تجعل من المشهد التمثيلي مشهداً مفضوحاً، خاصةً وإن التفتيش يتشدد في الأمور النظامية والروتينية ولا يغوص بما فيه الكفاية في تقنيات الإشراف التربوية. وسبب أزمة التفتيش والعلاقة معه، تكمن في غياب نظام للحوافز والإرشاد تشجع المعلمين على أخذ عملية التفتيش على محمل الجدّ، لا التمثيل.

كما تظهر الأزمة في نقص في عدد المفتشين، وفي إعدادهم على الأساليب الحديثة في النقاش والتعليم وحلّ المشكلات. ويظهر من تقارير المفتشين وعياً للمشكلة وخاصةً لجهة النقص في معلمات الروضة: إذ يتولّى التدريس في هذه الروضات 1867 معلمة، 550. منهن من الملاك، والباقي من التعاقد (النسبة الكبرى للمتعاقدات هي في مدينة بيروت 860) ، 340 من هؤلاء فقط مختصات في مجال رياض الأطفال، مع الإشارة إلى ارتفاع نسبة المعلمات غير المختصات في محافظات البقاع (70./.) والنبطية (67./.) والجنوب (65./.) ، وان 70./. منهن يدرسن في مرحلة الروضة فقط، في حين تتوزع الأخريات على غير مرحلة دراسية، وهو ما يؤدي إلى توزّع حصص الروضة على أكثر من معلمة، مع ما في هذا الوضع من سلبيات تربوية على الطفل“(8). إلا إن التقرير لا يوصي وزارة التربية بضرورة إجراء مباراة للدخول لسد النقص العددي والنوعي في هذه المرحلة، إنما يقترح إجراء تدريب فني لمن لم يخضع لذلك.

في تقرير آخر(9) يشير التفتيش إلى أعداد المدارس التي لا تستوفي الصفوف فيها الشروط، من ناحية عدد التلاميذ في كل صف، 15 تلميذاً في الابتدائي، 10 تلاميذ في الثانوي، فتبين له وجود 1290 مدرسة وثانوية تضم شعباً غير قانونية. لكن التفتيش عينه لا ينظر إلى الصفوف المزدحمة التي تحتوي على 45 تلميذاً وصولاً حتى 60 من التلامذة، التي لو طُبِّق قانون توزع التلامذة (15، 10) والمعايير التربوية الحديثة التي تتحدث عن أنّ الصف الأفضل يجب أن يتراوح عدد التلامذة فيه بين 15 و20، لأمكن توزيع الفائض من المعلمين.

ولكن عندما تعمل أجهزة الرقابةبوحي من مفاهيم تتراوح بين تخفيف النفقات وشد الأحزمة والخصخصة، يبطل العجب. كلّ ذلك والتفتيش لا يراقب المدارس الخاصة، ومراقبة الوزارة من خلال مصلحة التعليم الخاص مراقبة شكلية. فتستمرّ مدارس الطوائف في تعبئتها الرخيصة.

ث‌. الإرشاد والتوجيه جهاز دون هيكلية، ودور المعلمين وكلية التربية مقفلةبوجه إعداد المعلمين للقطاع العام

الجهاز يتولى مهمة الإرشاد والتوجيه في جميع المؤسسات التربوية، ويرأسه مدير، ولكن لم تصدر حتى تاريخه هيكلية لهذا الجهاز. فيقوم بمهمة الإرشاد والتوجيه بعض الأساتذة من التعليم الثانوي الذين كلّفوا مهاماً خلافاً للأصول. أما دُور المعلمين فقد انتهى دورها في إعداد مدرسين لمرحلتي الروضة والتعليم الأساسي، استناداً إلى أحكام القانون 344/2001. الأمر نفسه ينطبق على كلية التربية التي تقوم بإعداد أساتذة لخدمة المدارس الخاصة، يُستثنى من ذلك إعدادها للفائزين في مباراة الثانوي المفتوحة التي نُظّمت العام المنصرم. وإعدادها لأساتذة متعاقدين ثُبتوا في التعليم الثانوي عام 2004، وقد أظهر تقرير التفتيش لعام 2007 عدم كفاءة العديد منهم: “لا يصلحون للتعليم لأسباب تتعلق بعدم الكفاءة المهنية والشخصية والمعرفية“(10).

ج‌. في انتقال روابط المعلمين والأساتذة من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع

حمل خطاب المعلمين في مرحلة ما قبل الحرب مشروعاً من رأسين، الأول يتعلق بالوضع المعيشي والاقتصادي للمعلمين والمطالبة بالحق في التنظيم النقابي، والثاني يتمحور حول تعزيز الجامعة اللبنانية والمدرسة الرسمية، وتعزيز وضع اللغة العربية. وكان خطاب المعلمين يتلاقى مع حركات التحرر في المنطقة، ومع دعم القضية الفلسطينية.

بالطبع حقق المعلمون بعض مطالبهم، ونالوا حقهم بالتنظيم ولكن تحت عنوان رابطة ثقافية (1972 رابطة المعلمين، 1980 لرابطة أساتذة التعليم الثانوي). وهذه الرابطة قابلة للحل استنسابياً بقرار من وزير التربية. خلال تلك المرحلة، كان لكلية التربية دوراً استنهاضياً للأساتذة، باعتبار أن الكلية المذكورة كانت معقلاً لقوى يسارية متعددة. كما كان للمعلمين في التعليم الابتدائي الدور الأبرز في حركة الإضرابات والتظاهرات، والدليل حصولهم على رابطتهم قبل زملائهم في الثانوي.

إلا أن الخلل وقع في روابط المعلمين في التعليم الابتدائي، باعتبارها كونفدرالية روابط تتوزّع على المحافظات، دون وحدة مركزية منتخبة على أساس لبنان، في حين انطلقت رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي بزخم أكبر، لانتخابها على الصعيد الوطني. بالإضافة إلى ذلك، انضمت أحزاب طائفية مرتبطة بالسلطة البرجوازية إلى الروابط حيث كان تأثيرها أكبر على روابط الابتدائي. في حين قاومترابطة الثانويين بسبب تمتّعها بمناعة نقابية ومخزون يساري مستمر من تراث كلية التربية وأجواء السبعينيات، بالإضافة إلى تمتع الثانويين بوعي مهني مستمد من طبيعة إعدادهم الأعلى من الابتدائيين(11).

كما يعاني المعلمون والأساتذة في القطاع العام من لائحة محظورات حددها قانون الموظفين: إلقاء الخطب والنشر دون إذن خطي من رئيس إدارتهم، الانضمام إلى النقابات، الإضراب أو التحريض على الإضراب، والتخلي عن أية مهمة أو مسؤولية في حال انضمامهم إلى أحزاب سياسية (12). في الواقع، أظهرت دراسة عماد سماحة أن الجزء الأكبر من المعلمين، الأكثر حراكاً، يمتلكون وعياً مهنياً وتربوياً ونقابياً، ينتمون إلى قوى وأحزاب سياسية، وانتمائهم إلى الأحزاب هذه شكّل وبلور الوعي النقابيعندهم.

لكن في ظلّ الهجمة الباريسية والموازناتية، تحوّل المعلمون إلى اعتماد خطة دفاعية، تعتمد على خطاب معيشي حذر من بعض القوى السياسية خوفاً من انقسام الروابط كما هو الحال مع الاتحاد العمالي العام، في وقت تراجع الخطاب التربوي، مع التنويه لدور الثانويين المتقدم في هذا الإطار. ويبدو أنّ الخطة الدفاعية هذه لم تعد كافية، وإضاعة الوقت بإضرابات ليوم واحد، تجعل الحاكم يضحك في سرّه. يجب فرض تعديل المواد القمعية من قانون الموظفين كضرورة لتحميل الخطاب النقابي للمعلمين بعداً سياسياً، إذ إن الهجمة النيوليبرالية ليست هجمة حيادية، إنما هي معركة سياسية تواجه بأدوات سياسية ذات نفس مادي يحافظ على التعليم العام والمجاني.

***

الدفاع عن التعليم الرسمي والعام ليس سهلاً، إذ أن المدرسة الرسمية تراجع دورها بتراجع عدد تلامذتها ليشكّلوا ثلث تلامذة لبنان. وفي حال استمرّ هذا التراجع بفعل التخطيط المنظّم للسلطة البرجوازية الحاكمة، فإنّ الخصخصة ستتحقق كأمرٍ واقعٍ.
المادة العاشرة من الدستور تتحكّم بالتربية في لبنان، خدمةً لرأسمالية فاحشة، وتحقيقاً لتهميشٍ أكبر لأبناء الطبقات المسحوقة في لبنان. اللغة الخشبية تهمة، صحيح، والهجوم بوجه هذه التهمة يكون بتأميم وعلمنة المدارس الخاصة، ودفن المادة العاشرة من الدستور، ورفع خطاب المعلمين لفضح أجهزة الدولة في خطتها التي نُفِّذ جزءٌ كبير منها.

(نضال مفيد – المنشور – ربيع 2009)

(1) مشروع قانون الموازنة لعام 2005، السفير 28/9/2004
(2) http://www.crdp.org/CRDP/Arabic/ar-indicators/Tatour%20Mouachirat%2096_01/annex.pdf

(3) المؤتمر الدولي لدعم لبنان، برنامج لبنان الاقتصادي، باريس، 2007
(4)
إدارة الإحصاء المركزي، بيروت، 2007
(5) http://www.crdp.org/CRDP/Arabic/ar-statistics/STAT_AR/2006_2007/PDF06_07/Tables_07/Teachers_07/Page45_07.pdf
(6) http://www.crdp.org/CRDP/Arabic/ar-indicators/Mouachirat2002/a_indicators%20_13.htm

(7) تح: أيوب، فوزي. الكتاب المدرسي: دوره، مضمونه، جودته، الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، بيروت، 2007
(8)
التفتيش المركزي، التقرير السنوي لعام 2005، بيروت، 2005
(9)
التفتيش المركزي، التقرير السنوي لعام 2007، بيروت، 2007
(10)
المصدر نفسه.
(11)
سماحة، عماد. جدلية الحركة والوعي بين أفراد الهيئة التعليمية في لبنان، دار الفارابي، بيروت، 2006
(12)
المرسوم الإشتراعي رقم 112/ 1959

Advertisements
هذا المنشور نشر في نضال مفيد, المنشور, التجمع اليساري من أجل التغيير وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to خصخصة المدرسة مسار شبه مكتمل

  1. greenqarmati كتب:

    من وظائف المدرسة بشكل عام والمدرسة الرسمية بشكل خاص هي تأمين استمرارية النظام الطبقي القائم.المدرسة جهاز طبقي ايديولوجي لا يقل ضراوة عن الاجهزة الطبقية القمعية الاخرى.ومن آليات هذا الجهاز عدا تأمين الهيمنة الايديولوجية للنظام القائم، كذلك تأمين استمرارية الفرز الطبقي….المدرسة الرسمية اليوم مدعوة لتخريج أفراد مهمشين،وعاطلين عن العمل، او موظفين صغار جدًا في الجيش وقوات النظام القمعية،بالاضافة الى شباب يكون صيدًا سهلاً لاحزاب الامر الواقع المهيمنة (الطائفية..)…وفي كل الاحوال، المطلوب من المدرسة الرسمية ومن معظم المدارس الخاصة (التجارية) افراز فئت اجتماعية تكون قادرة بشكل غير واعٍ على تأمين قاعدة مادية لاستمرار النظام القائم…..

    • nidalat كتب:

      قرأت للتو مقالتك “التربية كجهاز طبقي” على موقع الحوار المتمدن حيث تتقاطع كثيرا مع أوردته في المقالة أعلاه، أنا تكلمت عن واقع التعليم، لبنان على سبيل المثال لا الحصر، ويمكن عدم التشاؤم حيال هذه المسألة، أن المدارس تخرج “أفراد مهمشين،وعاطلين عن العمل، او موظفين صغار جدًا في الجيش وقوات النظام القمعية” ﻷن الذي يتحرك حاليا على اﻷرض في تونس والجزائر وبريطانيا وفرنسا واليونان هم هؤلاء الذين يتعرضون للإقصاء وأول من يستشعر به هم طلاب المدارس الرسمية.
      بأية حال أعتقد بأنك ستحبذ كذلك المقالة التالية: https://nidalat.wordpress.com/2010/07/07/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D8%B5%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%86/
      كل المودة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s