المدارس المتعثرة أو تعثير المدارس؟

المدرسة الرسمية من جديد. تعود، لمعرفة مدى قدرتها على الاستمرار. هذه المدرسة تعمل وفق مزاجية (مخطط) التسلسل اﻹداري الذي يصل إلى السلطة السياسية. ولمعرفة ما تريده الحكومة منها (المدرسة) ينبغي معرفة ما يحصل من تحت. هل ما تحضره الحكومة ووزارة التربية يعتبر كافيا لزوال هذه المدرسة وما تمثله من ملجأبالحد اﻷدنى – ﻷبناء الطبقة العاملة؟


المدارس المتعثرة

بدأ الوزير حسن منيمنة عهده مع وزارة التربية بمخطط لا يخفي نية السلطة السياسية تجاه المدرسة الرسمية، فالسلطة السياسية تعبر دوما عن توقها للالتزام بمقررات مؤتمر باريس– 3، خاصة عندما تردد عبارة الإنفاق غير المجدي، هذه العبارة يرددها وزير التربية عندما يتحدث عن التعليم وعن المدرسة التي يفترض به أن يرعاها. لكن هذه الرعاية الأبوية الثقيلة ليست دائما حميدة. الوزير منيمنة ألّف عدة لجان وواحدة منها لمتابعة أوضاع المدارس المتعثرة. بتاريخ 12 كانون الثاني(1) من هذا العام استقبل الوزير رابطة أساتذة التعليم الثانوي في التعليم الرسمي وأشار إلى أنه سيمضي قدما في مشروع دمج المدارس الصغيرة والمتعثرة بمدارس أخرى أكثر فعالية“. في اليوم التالي(2) استقبل الوزير سفير الاتحاد الأوروبي باتريك لوران، في هذا الاجتماع كان الوزير أكثر صراحة إذ عبّر أمام أحد نظار السياسة النيوليبرالية في لبنان عن توقه لـحل مشكلة المدارس المتعثرة عن طريق الدمج بمدارس أخرى لرفع فاعلية التعليم وضبط الإنفاق الإداري غير المجدي“. أما في 20 شباط(3) المنصرم فجمع أقطاب وزارة التربية من مدير عام إلى مديري مديريات وزارة التربية إلى مستشاريه وتداولوا آخر مستجدات موضوع المدارس المتعثرة، فأعلموه أن العمل جار على قدم وساق والتقارير ستسلم إليه حول المدارس التي سيتخذ القرار بشأنها (إقفالها أو دمجها) بحيث ركّز الوزير على ضرورة دقة المعلومات قبل اتخاذ القرار المذكور.

دقة القرارات؟…. هه!

يبلغ عدد المدارس الرسمية التي تستوعب أقل من 50 تلميذا أكثر من 150 مدرسة(4) وتحتوي هذه المدارس ما لا يقل عن 1500 معلما. كما يبلغ نسبة المعلمين المصنفين احتياطا (أو غيره)(5) 7% من معلمي القطاع الرسمي أي ما يناهز 2000 معلما (وفق إحصاءات السنة الدراسية 2001- 2002). أما تقارير التفتيش التربوي المنشورة على الموقع الإلكتروني للتفتيش المركزي (6) فتشير إلى ان عدد المنقولين من المعلمين من المدارس المحتاجة (ينقصها معلمين) إلى المدارس غير المحتاجة (لا تحتاج إلى معلمين) بين عامي 2005 و2008 يتراوح بين 1000 و1500 معلما. يعلق تقرير التفتيش المركزي لعام 2005 على هذه الأرقام بالقول إن توزيع أفراد الهيئة التعليمية يتم وفق دراسات غير موضوعية، ويضيف في مكان آخر أن هذه المناقلات يجب أن تتم وفق مقتضيات المصلحة العامةفـلا تسبب تعثرا في مدارس ولا فائضا في أخرى“. بحسب هذه الأرقام الرسمية وأحكام التفتيش المركزي غير الملزمة (للأسف)، من المسؤول عن هذا التوزيع غير العادل للمعلمين وهذا الإفراغ للمدرسة من تلامذتها؟ فأهالي التلاميذ عندما يلاحظون النقص في عدد المعلمين سيسحبون أولادهم إلى مدارس أخرى (قد تكون في أغلب الأحوال مدارس خاصة) وهذا ما حصل بالفعل، إذ تدنى عدد تلامذة صفوف الروضة، بين عامي 2005 و2008، 11436 تلميذا. في تلك الفترة، لم يكن حسن منيمنة وزيرا إنما سبقه إلى هذا المنصب: سمير الجسر، أحمد سامي منقارة، غسان سلامة، أسعد رزق، خالد قباني، بهية الحريري. من جهة، هذه الأسماء تدل على انتماءات سياسية مختلفة فتتحمل مسؤولية مشتركة عما آلت إليه المدرسة الرسمية خلال سنوات قليلة. ومن جهة أخرى، تتحمل الجهات السياسية كافة مسؤولية عن تدخلها لفرض نقل معلمين أو اعتبارهم احتياطا. ترى هل هذه القرارات التي اتخذتموها كانت دقيقة ومدروسة؟ أم أنكم وجهتم الضربات المتتالية والمدروسة لضرب المدرسة الرسمية ولكي تصبح متعثرة خدمة لمصالحكم وخدمة لزيادة الجهل والتسرب المدرسي؟ أما الوزير الحالي فيحاول أن يجد مسمارا ليغلق به تابوت التعليم المجاني والعام في لبنان، فهل ينجح؟


المدارس المتعثرة وبعض الصحافة وسيرك الوزارة

تحاول بعض الصحف في لبنان تغطية موضوع المدارس المتعثرة، الغرابة لا تكمن هنا لأنه عملها، ولكن الملفت في الأمر كان الرد (البهلواني) لوزارة التربية للتملص من المسؤولية. فماذا حصل؟

بتاريخ 26 تشرين الأول 2009، نشرت جريدة الأخبار تحقيقا لعساف أبو رحال عن واقع مدرسة عين عطا الرسمية، تقع عين عطا في قضاء راشيا الواقع في محافظة البقاع. أشار أبو رحال إلى أن المدرسة المذكورة تعاني شحا في عدد المعلمين، فالوزيرة بهية الحريري نقلت 8 معلمين من أصل 13 دون التقدم بطلبات نقل. أبو رحال يستعين بمصدر من المدرسة ليؤكد أن هذا القرار جاء خدمة لـتفريخ المدارس الخاصة في منطقة راشيا الوادي، أما مختار البلدة فيقول أن العائلات الفقيرة لن تتحمل كلفة نقل أولادهافكيف ستتحمل كلفة تعليمهم. أما بعض أهالي البلدة، بحسب التحقيق عينه، فأشاروا إلى أن مجلس الجنوب أنشأ مدرسة رسمية مجاورة بكلفة مليار و300 مليون ليرةوهي بطبيعة الحال غير مأهولة.

سارعت وزيرة التربية بهية الحريري إلى الرد على هذا التحقيق، ففي اليوم التالي، نشرت جريدة الأخبار الرد، ففيه نفت الوزيرة نيتها بإقفال المدرسة، لأنها نقلتهم إلى مدارس محتاجة. جريدة الأخبار أوضحت أن الهيئة التعليمية لن تكون قادرة على الاستمرار في مهمتها بفعل تقاعد أحدهم وقلة العدد المتبقي ووجود معلم للرياضة. وعلى هذا الأساس، تقول الأخبار، تكون المدرسة مقفلة حكما“. كما أن الوزيرة لم ترد عن مصير المبلغ المصروف المشار إليه أعلاه.

بتاريخ 15 شباط من هذا العام، نشرت صحيفة السفير تحقيقا لأحمد منصور، الذي يتحدث عن واقع المدارس الرسمية في إقليم الخروب حيث تواجه المدارس هناك خطر الإقفال بسبب تناقص عدد التلامذة من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب نقل المعلمين إلى مدارس قريبة من منازلهم. خطر الإقفال هذا يعزوه منصور، إلى التدخلات السياسية لنقل المعلمينوإلى نظام المنح المدرسية الذي تقدمه الحكومة لموظفيها وعسكرييها، فيسجلون أولادهم في مدارس خاصة، طمعا بأن يصعد أولادهم سلم الترقيالاجتماعي الأمر الذي لم يحققوه هم بسبب تواضع أجورهم. ويضيف منصور إلى أن كل ذلك هو من الأسباب الرئيسية التي تشجع المدرسة الخاصة وتسهم في ضرب المدرسة الرسمية“. “السفير، وفي اليوم التالي، نشرت ردا للوزير حسن منيمنة يشكرفيه الصحيفة على مواكبتها الموضوعية للملف التربوي، كما شدد الوزير على أن نقل المعلمين سيكون من فائض إلى حاجة“. الوزير سيتحدى ألوية التدخلات السياسية والمحسوبيات الكامنة في وزارته، ربما سينقل مكتبه من المبنىالخنجر في سماء منطقة الأونيسكو، إلى كل مدرسة رسمية ستعاني من إقفال وشيك بفعل عمل اللجان التي ألفها. في السيرك تكثر الألعاب الجسمانية البهلوانية، أما في وزارة التربية فتكثر الأقوالالأفعال البهلوانية المؤذية.

في الختام

الكلام سيكون لLindingre” (7): “Des cours de civisme, pourquoi pas? – Quand le pouvoir est aux mains d`une bande de cons, votre devoir c`est de resister!!!”

ما معناه: “دروس في التربية على المواطنية، لماذا لا؟

المعلم: – عندما تكون السلطة بيد عصبة من الأغبياء، واجبكم أن تقاوموا!!!”، مقاومة لن تكون على طريقة قوى الخامس والسابع من أيار.

المصادر

(1-2-3): الوكالة الوطنية للإعلام

(4): http://www.crdp.org/CRDP/Arabic/ar-indicators/Mouachirat2002/a_indicators%20_16_1.htm

(5): http://www.crdp.org/CRDP/Arabic/ar-indicators/Mouachirat2002/a_indicators%20_14_1.htm

(6): http://www.cib.gov.lb

(7) رسام كاريكاتور من فرنسا.

ملاحظة: في 16 آب 2010 أقفل وزير التربية حسن منيمنة 81 مدرسة رسمية.

(ربيع 2010)

Advertisements
هذا المنشور نشر في نضال مفيد, المنشور, التجمع اليساري من أجل التغيير وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s