الإقصاء باللغة

لطالما تغنّى النظام التربوي اللبناني بالتفوّق على صعيد التميُّز بانتشار اللّغات الأجنبية بين التلامذة، و”تمكّنهم” منها، أما بقيّة المواطنين فهم يعرفون أكثر من لغة وأكثر. ولكن ما هو الواقع الفعلي لتعليم اللغات الأجنبية في لبنان؟ من زاوية تاريخية تعليمها، ومن زاوية المنهج التربوي، ونتائجه، كذلك بالنسبة إلى متطلبات سوق العمل، وبالتالي ما هي النتيجة لذلك؟

تاريخية تعليم اللغات في لبنان

ارتبط تعليم اللّغات في لبنان بانتشار مدارس الإرساليات الفرنسية والأميركية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فُنشرت اللغة الأجنبية المرتبطة بها بين أبناء الطبقة الحاكمة آنذاك والميسورين، في وقت حُرم جزء كبير من سكان منطقة جبل لبنان من التعليم.

بوصول الانتداب الفرنسي توسّع تعليم اللغات الأجنبية. حتّى توصلت “معركة الاستقلال” إلى ضرورة الاستقلال عن فرنسا، فهبّت “وطنيتهم” لجعل اللغة العربية لغة رسمية. أما المناهج التعليمية التي عمل بها، فظلّت تعتمد على تعليم اللّغات، وبقيت مدارس الإرساليات تعلم لغتها الخاصة عملا بالمادة 10 من الدستور اللبناني: “التعليم حر ما لم يخل بالنظام العام أو ينافي الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب ولا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفاقاً للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية”.

أما المناهج التربوية الصادرة في نهاية الستينيات من القرن العشرين، فتناولها مهدي عامل في كتابه “في قضايا التربية والسياسة التعليمية – الصادر عن دار الفارابي“. اعتبر عامل أن “المادة التعليمية ليست تعليمية إنما هي مادة أيديولوجية”، ومن هذه المواد الأيديولوجية، هناك اللغة الأجنبية التي يخصص لها حيزاً أساسياً داخل المنهج. هذا التخصيص يعتبره، عن حق، عامل بأنه “عنف طبقي تمارسه البرجوازية الكولونيالية” بفرضها اللغة الأجنبية قسراً على جميع تلامذة لبنان، وبالتالي، يضيف عامل، القضية ليست لغوية إنما القضية هي طبقية”. حيث أن معظم الطلاب، بالرغم من تعليمهم اللّغة الأجنبية المعنية، يصلون إلى المرحلة الجامعية دون أن يعرفوا كتابة مقطع صغير بهذه اللغة.

المنهج التربوي

وقعت الحرب في لبنان، وكانت من أهداف ما سمي بالحركة الوطنية إعطاء حيزا أكبر للغة العربية. اتفق النواب في الطائف. عُدّل الدستور. ولاحقاً، في عام 1997، صدرت المناهج الجديدة. وضمن الأهداف العامة للمناهج: الصادرة بموجب المرسوم رقم 10227/ 97، يمكن قراءة تحت عنوان “تكوين المواطن، الفقرة ز، المتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل تفعيلا للانفتاح على الثقافات العالمية وإغنائها والاغتناء بها”. الانفتاح يكون فقط على الثقافتين الفرنسية والإنكليزية؟

أما بالنسبة إلى الأهداف العامة لتعليم اللغة الفرنسية-الإنكليزية، فيمكن قراءة التالي: “تدريس اللغة الفرنسية (الإنكليزية) سوف يدرّب المتعلمين على ثقافة راسخة الجذور في الواقع الوطني ومفتوحة لثقافات العالم وعلى التفاعل، بشكل يعزز الاعتراف بأوجه التشابه واحترام الآخر”.

هكذا، أصرّت البرجوازية، المتّسعة هذه المرّة، على إبقاء تعليم اللغات الأجنبية دون نسيان تعليم المواد العلمية بالأجنبي، والحجّة هنا ودائما، هي الانفتاح على الحضارات العالمية، والتفاعل معها. بئس الحجّة، بئس التخطيط التربوي في لبنان، هل يحتاج التلميذ اللبناني إلى اللغة الأجنبية لتعلم الجمع أو الطرح أو… أو …. أما القسمة فلن تحتاج الطبقة العاملة إلى تعلمها لأنها ضحيتها.

نتائج تعليم اللغات الأجنبية

يتعلّم تلامذة لبنان، بحسب المنهج التربوي الوارد ذكره أعلاه، ما يلي:

– بالنسبة إلى تلامذة الشهادة المتوسطة: 1710 ساعة لغة فرنسية/ إنكليزية.

– بالنسبة إلى تلامذة شهادة الثانوية العامة:

• فرع العلوم العامة: 1710+ 300= 2010 ساعة

• فرع علوم الحياة: 1710+ 300= 2010 ساعة

• فرع الاجتماع والاقتصاد: 1710+ 450= 2160 ساعة

• فرع الآداب والإنسانيات: 1710+ 510= 2220 ساعة

هذا مجموع ما يتعلمه تلامذة لبنان من لغات. دون نسيان أن أغلبية المواد تُعلّم بلغة أجنبية. ولكن ما هي نتيجة مادة اللغة الأجنبية في الامتحانات الرسمية الأخيرة؟، ودون غض النّظر عن ما شابها من غش جماعي (بفتح الجيم) شارك فيه الجميع من كبار الموظفين المدنيين وغير المدنيين مروراً بأغلب أعضاء الهيئة التعليمية، وصولاً إلى التلامذة – وإن نكر ذلك وزراء التربية-، النتيجة كانت، بحسب موقع وزارة التربية في لبنان على الإنترنت، كالآتي: الشهادة المتوسطة: 14.17/40، في شهادة الثانوية العامة، فرع العلوم العامة: 14.95/40، بالنسبة إلى فرع علوم الحياة: 15.29/40، في فرع الاجتماع والاقتصاد: 16.16/40، وصولا إلى فرع الآداب والإنسانيات: 27.46/70. الله. فخر الصناعة التربوية اللبنانوية. فشل كامل. و”بيندقلو النوبة”.

إذن، كل هذه العراقة والأصالة في تعليم اللغات الأجنبية، أدّت إلى هذه النتيجة. أما وزارة التربية فتمضي قدماً بتراكم الأخطاء، المقصودة، فقد وقّعت في 26 تموز 2007 اتفاقية مع السفارة الفرنسية (بعثة التعاون والعمل الثقافي) ضمن إطار التعاون اللغوي والتربوي، اتفاقية سميت “دعم المدارس الرسمية” (بحسب موقع السفارة الفرنسية على الانترنت)، تهدف هذه الاتفاقية إلى:

– إخضاع معلمي اللغة الفرنسية ومعلّمي المواد المعلّمة بالفرنسية، لفحصٍ يحدد مستواهم في اللغة الفرنسية. (أجري هذا الفحص في العامين المنصرمين).

– خلق شبكة وطنية لمعلمين يتمتعون بكفاءة لغوية عالية.

– خلق شبكة معلمين للمعلمين، ووضعها في إطارها التنفيذي، أي تدريب بقية المعلمين.

– إنشاء نظام معادلة لمستوى التلامذة اللغوي في المدارس الرسمية، مع نظام عالمي للمهارات اللغوية.

إلى الأمام در. لنجرب. ماذا سنخسر؟ ولكن بمن سنجرب؟ لقد شعر الفرنسيون بتراجع اللغة “الحنونة” أمام المارد الأميركي، وجنودها عادوا إلى لبنان. فلماذا لا نعود تحت ستار اللّغة؟ أما البرجوازية الحاكمة، فلا تزال تنظّر للانفتاح على الحضارات والتبادل الثقافي المشترك، من جانب واحد، لم لا يكون هذا التبادل الثقافي مع الحضارة الصينية أو مع الحضارة الهندية؟

النظام التربوي في لبنان “أبيض” وعليه أن يبقى كذلك. يجيب منظّر تربوي.

ماذا يطلب سوق العمل اللبناني؟

في جولة سريعة على جريدة الوسيط، تحديداً على أربعة أعداد منها، يمكن قراءة ضمن أبوابها، باب الوظائف، الذي يُفرّع إلى التالي: مال ومحاسبة – بيع وتسويق – تعليم – تقنيون – سياحة ومطاعم – خدمات منزلية – دروس خصوصية – سكرتارية – شراكة – طب – تزيين وتجميل – عمال – مصممون – برمجة – هندسة – وظائف أخرى (التي تحتل المساحة الأكبر).

يمكن القول أن الغالبية العظمى من الأعمال والوظائف تطلب توفر لغة أجنبية واحدة على الأقل عند المتقدم لهذه الوظيفة أو تلك. عظيم، ماذا نفعل بالآلاف الذين ورد معدّل علامتهم باللغة الأجنبية أعلاه. قد يقول أحدهم، لست معنيا، أنا علاماتي أعلى من المعدل. النظام التربوي + سوق العمل يجيبان: أهلا وسهلا بك. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن سوق العمل يطلب قلّة قليلة من طلاّب العمل، تتوفر فيهم الشروط المطلوبة. وللبقية، ما هو الحل؟ يمكن أن تذهبوا إلى مراكز اللغات، للتعلّم من جديد.

مراكز اللغات. المركز الثقافي الفرنسي، السفارة البريطانية، أميركان لنغويج سنتر. هي مراكز لغات. نتعلّم من جديد. ولكن، داخل مراكز اللغات، تكفي متابعة دورات لغات لمدة سنتين للوصول إلى مستوى لغوي فرنسي أو إنكليزي وسطي. أما مئات الساعات التي يتعلمها التلامذة، المذكورة أعلاه، والسنوات التي يقضيها الطالب في المدرسة، فماذا قدمت؟ الفشل؟ من هو الفاشل هنا؟ الطالب أم النظام التربوي البرجوازي اللبناني؟ الجواب معروف. في هذا الوقت، لنجر عملية حسابية بسيطة:

لنفترض أن الطالب يتعلم 2000 ساعة لغة أجنبية، دُوّر الرقم لتسهيل الحساب، (بغض النظر عن المواد المعلّمة بلغة أجنبية، رياضيات، علوم..). أما مدّة دورة لغات واحدة، في مراكز اللغات المذكورة أعلاه، فتبلغ 40 ساعة. سؤال: كم دورة يمكن أن يتعلم الطالب: 2000/40= 50 دورة.

تبلغ تكلفة الدورة الواحدة للّغات حوالي مئتي ألف ليرة، مضروبة بـ50، فنحصل على رقم قيمته 10 ملايين ليرة، هذا الرقم الهائل، عدد الدورات والمبلغ المذكور، يجعل من الطالب داخل مراكز اللّغات على قِمة اللغويين الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين أجمعين، آمين. أما في نظامنا التربوي المهترئ فيُقدّم المعدّلات المذكورة أعلاه.

نتيجة كل ذلك

بحسب دراسة نُشرت في جريدة الأخبار في 1 تشرين الأول 2007، كل ألف تلميذ يدخل إلى التعليم الخاص ينجح 225 منهم في شهادة الثانوية العامة. أما بالنسبة إلى الطلاب في المدارس الرسمية فإن كل ألف يدخل إلى التعليم الرسمي ينجح 9 منهم في الثانوية العامة. إذا أضفنا معدل اللغة الأجنبية كمعيار، ومتطلبات سوق العمل، ماذا تكون النتيجة؟ إقصاء لأبناء الطبقة الفقيرة في لبنان.

حسنا، التصفية شاملة. الميليشيات في السلطة. مجرمو الحرب ينظّرون بكامل أناقتهم. توزيع للثروات مقلوب. سوق عمل مغلق لفئات محظوظة. الغالبية العظمى إلى الهجرة (سامي حداد يضحك).

يضيف مهدي عامل في كتابه المذكور أعلاه، وتحديدا ص. 101، التالي:

“لمن وضع هذا المنهج؟

للأقلية البرجوازية فقط، لأبناء “الذوات”.

لماذا وضع بهذا الشكل؟

لتصفية الأكثرية الساحقة من الفئات الشعبية”.

وأنت؟ هل ما زلت مقتنعا بإمكانية التغيير في ظل هذا النظام التربوي البرجوازي؟

إقرأ من فوق إلى تحت، ومن اليمين إلى اليسار.

Advertisements
هذا المنشور نشر في نضال مفيد, المنشور, التجمع اليساري من أجل التغيير وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s